إذا أردت أن تعرف أين ستكون أمة بعد 20 عاما، فلا تنظر إلى ما تملكه من مال وموارد، بل إلى ما يجري داخل مدارسها وجامعاتها ومعاملها؛ فهناك، بين تلميذ يتعلم كيف يسأل، وباحث يفتش عن الحقيقة، ومبتكر يحول الفكرة إلى واقع، تُكتب ملامح المستقبل. ولعل أبلغ تعبير عن مكانة العلم أن أولى آيات الوحي بدأت بالأمر الإلهي: «اقْرَأْ». فالقراءة مفتاح الوعي، والعلم طريق العمران، والمعرفة نور يبدد الجهل. وحين نتدبر قوله تعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ»، (الزمر : 9)، ندرك أن تقدم المجتمعات يبدأ باحترام العقل وإنتاج المعرفة وتوظيفها لخدمة الإنسان.
وفي عصرنا، لم تعد ثروة الأمم تقاس باتساع الأرض أو وفرة الموارد وحدها، بل بجودة التعليم، وقوة البحث العلمي، والقدرة على تحويل الأفكار إلى دواء وغذاء وتكنولوجيا وصناعة وفرص عمل. فالعلم ليس معلومات تحفظ للامتحان، ولا شهادات تعلق على الجدران، وإنما منهج في التفكير، ودقة في الملاحظة، وأمانة في طلب الحقيقة.
وفي مجالات تمس حياة المواطن، مثل الصحة وسلامة الغذاء والزراعة والبيئة، تصبح المعرفة درعًا يحمي المجتمع، وترفع جودة الإنتاج، وتحد من الهدر والغش، وتدعم قدرة المنتج المصري على المنافسة. لذلك، فإن دعم البحث العلمي ليس ترفا، بل استثمار في صحة الوطن واقتصاده وأمنه. وهو أساس استقلال القرار الوطني، لأن الأمة التي تنتج معرفتها تملك أدوات تقدمها ولا تظل أسيرة لغيرها.
غير أن العلم يحتاج إلى بيئة تحترم السؤال، وتقدر الاجتهاد، وتوفر للباحث معامل مؤهلة وتمويلًا مستدامًا، وتربط الجامعات ومراكز البحوث بالصناعة واحتياجات المجتمع. كما يحتاج إلى أخلاق تصون رسالته؛ فالمعرفة إذا انفصلت عن الضمير قد تتحول من أداة للبناء إلى وسيلة للضرر. وشهدت مصر عبر حضاراتها المتعاقبة أن العلم كان مفتاح الإنجاز والإعجاز؛ فمن الطب والهندسة والفلك إلى منجزات العصر الحديث، ارتبطت نهضتها بما أبدعته عقول أبنائها.
فلنرع التلميذ والمعلم والباحث والأستاذ والعالم والمبتكر، ولنهيئ لهم بيئة تليق برسالتهم، ولنواصل التعلم ومواكبة كل علم حديث نافع؛ فبالعلم تنهض الأمم، وبه تستطيع مصر أن تبني حاضرها وتصنع مستقبلها.
التعليقات