إرهاب فريد تتشارك فيه الدولة والميليشيات!

إرهاب فريد تتشارك فيه الدولة والميليشيات!

د. محمد يونس

في ظل انشغال العالم بتداعيات العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، يستمر عدوان آخر يستهدف وطنا بأكمله عبر منظومة من الجرائم الإرهابية تختلف عن الأنماط المعروفة، حيث تتشارك دولة الاحتلال مع ميليشيات المستوطنين لتنفيذ هذه الجرائم. فالإرهاب الصهيوني يعتبر بنية عميقة في الفكر والممارسة الإسرائيلية، وأداة سياسية ممنهجة ومستمرة منذ عقود، تستهدف الفلسطينيين في وجودهم الجسدي والأرضي، وتتخذ أشكالا متعددة تتراوح بين القتل المباشر، والتهجير القسري، والتعذيب داخل السجون، والتشريعات العنصرية بهدف اقتلاع الوجود الفلسطيني.

وفقا لتقارير «منظمة العفو الدولية» و»هيومن رايتس ووتش»، فإن إسرائيل تتبنى سياسة «العقاب الجماعي» التي تعد ركنا أساسيا في إرهاب الدولة. يتجلي ذلك في ممارسات عديدة، أبرزها:

أولا: الاستهداف الممنهج للمدنيين، حيث توثق الإحصاءات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، أن الغارات الجوية والقصف المدفعي غالبا ما يستهدف مناطق مأهولة بالسكان، مما أدى إلى استشهاد آلاف الأطفال والنساء، وتدمير البنية التحتية الحيوية بشكل كامل.

ثانيا: التعذيب المنهجي: أكدت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز أن نظام السجون الإسرائيلي أصبح «مختبرا للقسوة»، حيث احتجز أكثر من 18500 فلسطيني منذ أكتوبر 2023، بينهم 1500 طفل على الأقل. وتعرض المحتجزون للاغتصاب وتكسير العظام والأسنان، بينما يتمتع الجنود بإفلات شبه كامل من العقاب. ففي أبريل 2026، وافق رئيس أركان جيش الاحتلال على عودة جنود إلى الخدمة، رغم اتهامهم بالاعتداء جنسيا على أسير فلسطيني بقاعدة «سدي تيمان».

ثالثا: شرعنة العنصرية: يعتبر قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست تمييزيا عنصريا صريحا، لأنه لا ينطبق على الإسرائيليين.

رابعا:التهجير وهدم المنازل: كشفت الأمم المتحدة عن تهجير أكثر من 36000 فلسطيني في عام واحد، وهدم 54 منزلا في سلوان بالقدس.

خامسا: الاستيطان غير القانوني: وافقت الحكومة على 34 مستوطنة جديدة، بهدف «دفن حل الدولتين» بحسب تصريح الوزير سموتريتش.

من جانب آخر، تصاعد إرهاب المستوطنين في السنوات الأخيرة ليصبح ظاهرة منظمة بتشجيع ودعم رسمي من أجهزة الدولة. فقد زادت اعتداءات المستوطنين بنسبة 150% في بعض المناطق خلال العام الماضي، وفقا لصحيفة «الجارديان» البريطانية. وتتضمن حرق المحاصيل الزراعية، بخاصة أشجار الزيتون. وهجمات جماعية شنها آلاف المستوطنين المسلحين، لحرق السيارات والمنازل تحت أنظار قوات الاحتلال كما حدث في بلدة «حوارة» و«ترمسعيا»، واعتداءات عصابات «تدفيع الثمن» المتطرفة على المساجد والكنائس والممتلكات الفلسطينية، التي تنشر شعارات تدعو لقتل العرب.

وقد وثق مركز معلومات فلسطين (معطى)، 8691 اعتداء نفذها المستوطنون منذ 7 أكتوبر 2023 حتى 20 أبريل 2026، منها (1877 اعتداء) منذ بداية عام 2026 وحده. ووثق تقرير الأمم المتحدة في مارس 2026 (1732) حادثة عنف من قبل المستوطنين، أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات خلال 12 شهرا.

وأشار التقرير إلى أن «عنف المستوطنين استمر بطريقة منسقة، مع السلطات الإسرائيلية. ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» في 16مايو 2024 تحقيقا وثقت فيه استيلاء المستوطنين على أراضي الفلسطينيين بقوة السلاح، مع شهادة لمزارعين فلسطينيين تعرضوا للضرب المبرح، وأكدت الصحيفة أن «نظام العدالة الإسرائيلي يفشل عمدا في ممارسة أي رقابة على هذه العصابات». ووفقا لمنظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، قتلت القوات الإسرائيلية 1060 فلسطينيا بالضفة الغربية بين نوفمبر 2023 وأبريل 2026، بينهم 32 قتلوا على يد المستوطنين. بل إن صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية اعترفت بهذه الجرائم ونشرت في 4مايو 2024 تقريرا ذكر أن «إرهاب الميليشيات اليهودية في الضفة يتم بغض بصر تقني من قيادة في الجيش».

إن استمرار الإرهاب الصهيوني بشقيه يشكل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار الإقليمي، ليس فقط لأنه يغذي دوائر العنف والكراهية، بل لأنه يكرس واقعا استيطانيا عنصريا يجهض أي أفق لحل سياسي قائم على فكرة الدولتين، ويحول المنطقة برمتها إلى ساحة صراع مفتوح، مما يستوجب مواجهة عربية ودولية من خلال دعم المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة القادة الإسرائيليين والمستوطنين المتورطين في جرائم عنف، ومساعدة المشاريع التنموية والقانونية التي تعزز بقاء الفلسطينيين في أرضهم وتحمي ممتلكاتهم، ومقاطعة المستوطنات وفرض عقوبات على الشركات المتورطة، والضغط على مجلس الأمن لإصدار قرارات ملزمة بوقف الاستيطان وهدم المنازل، ودعم المنظمات الحقوقية وإدراج المستوطنين على قوائم العقوبات الدولية.

التعليقات