«التهافت الهاتفى» المحمول والمتحامل!

«التهافت الهاتفى» المحمول والمتحامل!

د . محمد يونس

هناك فرق بين أن تطرح نقدا بناء لفكر ما حتى لو كان ذا طبيعية دينية معتمدا على المؤهلات العلمية على غرار مافعله ابن رشد فى كتاب «تهافت التّهافت» الذى ألّفه سنة 1180م ردا على كتاب أبو حامد الغزالى «تهافت الفلاسفة» أو الشيخ محمد الغزالى فى كتابه «من هنا نعلم» ردا على «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد فى خمسينيات القرن الماضى، وبين (التهافت) عبر بعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعى الذى ينحدر أحيانا إلى درك «التفاهة الهاتفية» كونها متناثرات مشتتة تنتشر عبر شاشات الهاتف المحمول!

فى النوع الأول تجد اجتهادا يقوم به علماء راسخون يقدمون فكرا رصينا مبنيا على معرفة منهجية وعلمية، أما النوع الثانى فليس اجتهادا فكريا أو «محاولات للتجديد»، وإنما فى كثير من الأحيان «سيولة معرفية» تحولت فيها الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعى إلى ساحات لتفكيك الثوابت تحت شعارات «التنوير»، فى غياب شروط البحث العلمى الرصين.

إذا كان التخصص أهم قواعد مناهج البحث العلمى الحديث حيث لا يقبل العقل أن يجرى مهندسٌ عملية قلب مفتوح لمريض، فإن اقتحام علوم الدين وتفسير القرآن دون امتلاك أدواتها هو نوع من هذا «التهافت الهاتفى»، فإذا بحثنا عن التخصصات العلمية لكثيرين ممن يخوضون فى شئون الدين من باب التشكيك اليوم نجدهم خريجى (فيزياء وهندسة وطب) وهنا تبرز أزمة افتقاد «الأدوات المعرفية»، فكل من القرآن الكريم والحديث النبوى ليس نصاً عادياً يخضع للانطباعات الشخصية، بل هو منظومة معرفية تتطلب إتقاناً تاماً لـعلوم عديدة منها: اللغة العربية وأصول الفقه والحديث.

ولذلك فإن تطبيق مناهج العلوم الطبيعية أو المناهج الأدبية الحداثية (كالتفكيكية) على النص الدينى، يؤدى إلى نتائج مشوهة، حيث يجرى التعامل مع «المقدس والقطعى» بأدوات «النسبى والمتحول».

ومن هنا تتعدد الأخطاء التى يقع فيها الكتاب غير المؤهلين، ومن أبرزها:  أولا: انتقاء الروايات الشاذة من خلال قراءة التاريخ الإسلامى وكتب التراث (كتاريخ الطبري) بعين «الترصد» لا بعين «النقد العلمى». فيتم اجتزاء النصوص من سياقاتها التشريعية أو السياسية، أو النبش فى «قمامة التاريخ» لاستدعاء روايات ضعيفة ومتروكة وتقديمها للجمهور البسيط على أنها «الحقيقة المخفية»، لإحداث صدمة نفسية لدى المتلقى.

ثانيا: الإسقاط العلمى المتعسف ومحاولة تفسير الغيبيات والآخرة والملائكة عبر نظريات فيزيائية متغيرة. هو المسلك خاطئ، لأن النظريات العلمية بطبيعتها قابلة للدحض والتعديل، وربط القرآن بها يجعل النص القرآنى متأرجحاً مع كل كشف علمى جديد(نموذج على منصور كيالي).

ثالثا:المغالطة والتعسف فى التأويل الذى يعتمد على منهج «الترادف اللغوى الممنوع» بفصل التعاريف عن سياقها العربى الأصيل، والخروج بتفسيرات شاذة للأحكام مثل مفهوم اللباس والحدود والمحرمات (نموذج محمد شحرور).

رابعا:الخلط بين «الدين» و«التراث» وبين «القطعى» و«الظنى»: حيث يتعامل بعضهم مع الاجتهادات البشرية للفقهاء القدامى (وهى ظنية وقابلة للتغيير) على أنها هى «الدين نفسه»، فيقومون بهدم الأصل «الدين وثوابته» بذريعة نقد الفرع «اجتهاد الفقيه»!

هذا السيل من المغالطات الذى يقدم عبر منصات إعلامية لا يثمر «تنوير العقول»، بل يؤدى إلى تشتيتها، فالمتلقى البسيط، الذى لا يملك الوقت ولا القدرات أو الأدوات للتحقق من الشبهات، يجد نفسه أمام هدم مستمر لرموز هويته وثوابته. وهذ ينعكس سلبيا على النسيج الاجتماعى والهوية الوطنية والثقافية للمجتمع، فالدين هو الركيزة الأساسية للمنظومة الأخلاقية وعندما يتم التشكيك فى مصادر هذه الأخلاق، يتأثر التماسك المجتمعى وتزداد معدلات الجريمة والتفكك.

كما يولد هذا الهجوم رد فعل عنيفا من التيارات الدينية المتشددة. ويقدم هذا الخطاب المتشتت عبر شبكات الإعلام والتواصل الاجتماعى المحكومة بمنطق السوق والإثارة، بأسلوب «المونولوج» فيظهر الكاتب فى برنامجه بمفرده، أو عبر مقطع «فيديو» قصير متحدثاً بأسلوب خطابى مشوق، يوهم به المشاهد بأنه حاز العلم كله، بينما لا يُتاح فى هذا النموذج الإعلامى وجود عالم دين متخصص يرد على الشبهات أو يصحح الأخطاء فى نفس اللحظة.

وحتى إن حدثت استضافة لطرف آخر، فتتم إدارة الحوار بطريقة «متحيزة» تخدم توجه البرنامج، مما يحرم المشاهد من سماع رد علمى منضبط وحضارى يوضح له الحقيقة او حتى الرأى الآخر.. هنا يكتمل هذا «التهافت الهاتفى» المحمول والمتحامل على دين بعينه من دون الأديان الأخرى!.

التعليقات