ماذا يحدث لشركة ناجحة إذا غاب مديرها غدًا؟ هل تستمر القرارات، وتنتظم الأعمال، وتبقى ثقة العملاء؟ أم تتوقف التفاصيل في انتظار شخص واحد؟ يبدو السؤال إداريًا، لكنه يفتح بابًا لفهم قضية اقتصادية أكبر: كيف نبني شركات يستمر نجاحها، وتصبح قدرتها على الإنتاج والابتكار مصدر قوة لاقتصاد الدولة؟
حين نتحدث عن قوة الاقتصاد، نتحدث عادة عن الاستثمارات والمصانع والمشروعات الجديدة. وتستحق هذه المؤشرات الاهتمام، لكن وراءها سؤالًا حاسمًا: كيف تُدار هذه الاستثمارات بعد ضخ الأموال؟ فمن داخل المؤسسات تُتخذ قرارات التوظيف والتدريب والتوسع وتطوير المنتجات؛ وهناك يتحدد مقدار ما يتحول من الموارد إلى قيمة حقيقية.
زيادة عدد الشركات تفتح فرصًا للعمل والنمو، لكن أثرها يتوقف أيضًا على إنتاجيتها واستمرارها وقدرتها على المنافسة. ويؤكد البنك الدولي أهمية الأسواق التنافسية، والمهارات، والقواعد الواضحة، والقدرة على الابتكار في دعم الاستثمار والنمو. ولهذا، فإن بناء اقتصاد قوي يحتاج إلى بيئة تساعد الشركات الجيدة على الظهور والتطور، وتتيح للمشروعات الصغيرة فرصة عادلة للنمو.
تخيّل، للتوضيح، مصنعين يمتلكان معدات متقاربة ويعملان في السوق نفسها. في الأول، تُتخذ القرارات من دون معلومات كافية، وتُخفى الأخطاء خوفًا من المسؤول، ويرتبط التعامل مع الموردين بعلاقات شخصية. وفي الثاني، تُراجع التكاليف والجودة، وتُحدد الصلاحيات، وتُناقش الأخطاء لمعالجتها. حتى مع تشابه الإمكانات، تختلف قدرة كل مصنع على اكتشاف مشكلاته وتصحيح مساره.
هنا تظهر قيمة الحوكمة Corporate Governance. ويمكن تقريب معناها إلى أربعة أسئلة: من يقرر؟ وعلى أي معلومات يعتمد؟ ومن يراجع القرار؟ ومن يُساءل عن نتائجه؟ الإجابة الواضحة تجعل المسؤولية معروفة، وتساعد على حماية المؤسسة من تضارب المصالح والقرارات غير المدروسة.
وتوضح مبادئ مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الحوكمة تنظم العلاقات بين الإدارة ومجلس الإدارة والمساهمين وأصحاب المصلحة، وتحدد آليات توجيه الشركة ومتابعة أدائها. كما يمكن للحوكمة الجيدة أن تدعم الوصول إلى التمويل والثقة والقدرة على الصمود. قيمتها، إذن، تظهر عندما تتحول القواعد المكتوبة إلى ممارسات يومية.
لكن الحفاظ على انتظام العمل يحتاج إلى أن يصاحبه استعداد للمستقبل. وهنا يأتي البحث والتطوير Research & Development (R&D)، بما يتضمنه من عمل منهجي لإنتاج معرفة جديدة واستخدامها في تطوير المنتجات والعمليات. فقد يختبر مصنع مادة أكثر كفاءة، أو تطوّر شركة تقنية حلًا لمشكلة متكررة لدى عملائها. ويصبح الإنفاق أكثر جدوى عندما يرتبط بمشكلة واضحة، وتجارب قابلة للتقييم، وقدرة على تطبيق النتائج.
ثم يأتي تطوير الأعمال Business Development لبحث فرص النمو: من العميل الذي يحتاج هذا الحل؟ وأي سوق يمكن دخوله؟ وما الشراكة المناسبة؟ وهل تمتلك الشركة القدرة على الوفاء بما تعد به؟ فالانتقال من فكرة جيدة إلى نشاط اقتصادي ناجح يحتاج إلى فهم السوق، وحساب التكلفة، واختبار الطلب.
وعلى مستوى الدولة، تتسع المسؤولية لتشمل جودة التعليم والخدمات والبنية الأساسية، ووضوح الإجراءات، وحماية الحقوق، والمنافسة. وفي تصوري، تتجسد دولة المؤسسات عندما تعمل الجهات وفق اختصاصات معلومة، وتحتفظ بخبراتها، وتتابع نتائجها، وتستمر كفاءتها مع تغيّر القيادات. وتتكامل هذه البيئة مع الشركات المنتجة؛ فكل طرف يحتاج إلى جودة أداء الآخر.
لذلك أقترح أن تبدأ كل مؤسسة بمراجعة عملية: هل صلاحياتنا واضحة؟ هل تصل المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب؟ هل نستثمر في تطوير قدراتنا؟ وهل نقيس أثر قراراتنا؟ وتظهر الإجابات في انخفاض الهدر، وتحسن الجودة، ورضا العملاء، وقدرة العاملين على حل المشكلات.
قوة الاقتصاد تُبنى أيضًا داخل غرفة الإدارة: بقرار يستند إلى معلومة، وصلاحية تقابلها مساءلة، وفكرة تجد طريقها إلى التطبيق. والنجاح الذي يستحق البناء عليه هو الذي تستطيع المؤسسة أن تكرره، وتطوره، وتحافظ عليه بعد تغيّر الأشخاص.
ويبقى السؤال الذي يكشف عمق النجاح: إذا رحل المدير، فهل تبقى المؤسسة قادرة على النجاح؟ من هنا نلتقي في المقال القادم: «هل يستمر النجاح بعد رحيل المدير؟»، لنرى كيف تتحول الحوكمة إلى ممارسة يومية تحفظ الخبرة، وتُعدّ القيادات، وتدعم استمرارية الأداء. ثم نواصل رحلتنا من المختبر إلى السوق، ومن الأفكار إلى فرص النمو؛ بحثًا عن إجابة لسؤال يستحق الاهتمام: كيف نبني مؤسسات تصنع المستقبل؟
انتظروني… ولنفكر معًا في نجاحٍ يستمر.
استشاري الإدارة الاستراتيجية وتطوير المؤسسات
التعليقات