بعد انتقال مجال الهيمنة والنفوذ العالمي إلى الفضاء الرقمي من أجل السيطرة على البيانات والخوارزميات والبنية التحتية للمعلومات، برز صراع أساسي بين قوتين متعارضتين، الأولى": الإمبريالية الرقمية"، لتعيد إنتاج أنماط التبعية الاستعمارية التاريخية بوسائل تقنية، وهو ما أشرنا إليه في المقال السابق، والثانية حركة المقاومة لهذه الهيمنة والساعية الى تحقيق "السيادة الرقمية"، وتمثل النضال المعاصر لأجل التحرر من هذه الهيمنة.
إن فهم آليات عمل هذه الهيمنة هو الخطوة الأولى لصياغة إستراتيجية المواجهة وبناء سيادة رقمية عربية مستقلة.. "الإمبريالية الرقمية" كنظام بنيوي تعيد من خلاله القوى وشركات تكنولوجية الكبرى إنتاج الآيات الاستعمارية القديمة في الفضاء الرقمي، لتكريس التبعية الرقمية، بهدف السيطرة على العقول والأسواق معاً. وهو ما يطلق عليه "استعمار البيانات" حيث يتم استخراج بيانات شعوب الدول النامية "كمادة خام"، ثم تُنقل لتتم معالجتها في مراكز التكنولوجيا بالدول الغربية، وأخيراً يُعاد تصديرها على شكل خدمات وتطبيقات مدفوعة تكرس التبعية الرقمية. وتتجلى هذه التبعية في 3 أبعاد أساسية:
- تبعية البنية التحتية للإنترنت (كالكابلات البحرية ومراكز البيانات والخدمات السحابية) حيث تخضع لسيطرة شبه كاملة من جانب شركات تتخذ من الغرب مقراً لها. هذا الواقع يجبر حركة البيانات بين دولتين عربيتين على المرور عبر نقاط تبادل أوروبية أو أمريكية، مما يخلق تبعية إستراتيجية ويزيد من التكاليف وزمن الاستجابة ويعرض البيانات لمخاطر المراقبة الخارجية.
- التبعية المعرفية: يتم تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات تم جمعها وتصنيفها في الغرب. مما يؤدي إلى تحيزات لغوية وثقافية عميقة تهمش اللغة العربية والمجتمعات الأخرى بجنوب العالم، حيث تصبح الخوارزميات غير قادرة على فهم الفروق الدقيقة الثقافية أو اللغوية، مما ينتج عنه خدمات قد تكون مسيئة.
- التبعية الاقتصادية وتكشف عن ديناميكية استعمارية جديدة، حيث تتدفق الغالبية العظمى من الإيرادات الناتجة عن الأنشطة الرقمية في العالم العربي إلى الشركات متعددة الجنسيات بالغرب. مثلا يتم تحقيق الأرباح من الإعلانات بدول الخليج والتجارة الإلكترونية بالمغرب العربي، لكن القيمة المستخلصة يُعاد استثمارها بشكل ضئيل في الاقتصادات المحلية، مما يعمق الفجوة التنموية.
في مواجهة هذه الهيمنة، برز مفهوم "السيادة الرقمية" كاستجابة سياسية وتقنية ضرورية. لا يمثل هذا المفهوم دعوة للانعزال أو الحمائية الرقمية، وإنما هو سعي مشروع لتحقيق "الاستقلال الرقمي" في هذا العصر، حيث أصبح تأمين السيادة على البيانات والبنية التحتية الرقمية مطلباً وجودياً للحفاظ على القدرة على اتخاذ القرارات بشكل مستقل.وتعني السيادة الرقمية: قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التحتية الرقمية، وحوكمة تدفقات البيانات ضمن نطاقها الجغرافي، ووضع معايير تقنية تتوافق مع مصالحها القانونية والثقافية والإستراتيجية.
وقد أثبت عدد من التجارب بالدول النامية أن بناء هذه السيادة ممكنة، فقد أطلق البنك المركزي البرازيلي نظام دفع فوري وطني (نظام PIX) مما قلل من الاعتماد على شبكات البطاقات الائتمانية الدولية، وعزز الشمول المالي، وأعاد للدولة السيطرة على البنية التحتية المالية.
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذل بمجال التحول الرقمي، فإن الوطن العربي يواجه مجموعة من التحديات التي تجعله عرضة لمخاطر التبعية الرقمي . ومن أبرز هذه التحديات: أولا: فجوة التمثيل في الذكاء الاصطناعي، فالعربية هي خامس أكثر اللغات انتشاراً بالعالم، ومع ذلك، لا يزال تمثيلها ناقصاً بشكل حرج في بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى ضعف أداء النماذج اللغوية، وعدم مراعاتها للسياقات الثقافية والدينية، وسوء الترجمة، بخاصة عند التعامل مع التنوع الكثير في اللهجات العربية.
ثانيا تهديدات الأمن السيبراني للأمن القومي للدول العربية، هذه التهديدات يمكنها شل حركة المؤسسات والخدمات الحيوية الحكومية وتقويض الثقة فيها. وثالثا التفاوت في النضج الرقمي، فيظهر مؤشر الأمن السيبراني العالمي (GCI) تفاوتاً كبيراً بهذا المجال بين الدول العربية، مثلا بين عامي 2018 و2020، حققت بعض الدول العربية مثل المغرب (+43 نقطة) قفزات هائلة، بينما شهدت دول أخرى كالعراق (-22 نقطة) تراجعاً، مما يعيق جهود التكامل الإقليمي.
رابعا فجوة المهارات الرقمية المحلية. على سبيل المثال، تواجه بعض الدول العربية فجوة توظيف تصل إلى 50% في الأدوار المتقدمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.(وللحديث بقية)
التعليقات