مواجهة الإمبريالية الرقمية الجديدة «3»

مواجهة الإمبريالية الرقمية الجديدة «3»

د. محمد يونس

الإمبريالية الرقمية الجديدة تتخفى خلف خدمات مجانية وتطبيقات ترفيهية. لكنها في الحقيقة تمثل واحدة من أكبر عمليات السيطرة في التاريخ. وقد فصلنا في المقالين السابقين المخاطر التي تشكلها هذه الإمبريالية الرقمية وآليات عملها، ونناقش اليوم كيفية مقاومة هذه الهيمنة بدون أن نفقد الفرص التي يتيحها الفضاء الرقمي، وهذا الهدف لن يتحقق الا بتضافر وعي جماعي، يستهدف أن تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أن تتحكم به.

إن مواجهة هذه الإمبريالية الجديدة ليست بإغلاق الحدود، وإنما ببناء «السيادة الرقمية». ويتطلب ذلك تشريعات قوية وتوطين التكنولوجيا. وفي ظل التغول الذي تمارسه «الإمبريالية الرقمية الجديدة»، لم يعد الحديث عن «السيادة الرقمية» خيارا تقنيا، بل أصبح قضية أمن قومي، فالدول التي لا تملك بياناتها، ولا تتحكم في خوارزمياتها، ولا تؤمن فضاءها السيبراني، تعتبر دولا منقوصة السيادة في العصر الرقمي.

وإذا أردنا كعرب الانتقال من موقع «المستهلك الرقمي» الخاضع لشروط «وادي السيليكون»، إلى موقع «الشريك السيادي»، فإننا بحاجة إلى استراتيجية عربية موحدة ترتكز على خمسة محاور عملية، هي:

أولا: توطين البيانات، وهو ما يمثل حجر الزاوية في السيادة الرقمية فلا يمكن لدولة أن تدعي هذه السيادة بينما تُخزن بيانات مواطنيها الحساسة، وسجلاتها الحكومية، في خوادم تابعة لشركات أجنبية خارج حدودها. مما يتطلب إنشاء مراكز بيانات وطنية عملاقة وبناء «سحابة سيادية» (Sovergn Cloud) تستضيف المحتوى والبيانات العربية، وتضمن استمرارية الخدمات الحيوية حتى في حالات العزل الرقمي أو العقوبات التقنية. وهنا يمكن التعاون بين الدول العربية وبناء «السحابة العربية المشتركة».

ثانيا: التشريع الحازم، على غرار ما فعله الاتحاد الأوروبي الذي أصدر قوانين مثل (GDPR) و(DSA) تمكنه من ترويض عمالقة التكنولوجيا. وفي هذا السياق يمكن للدول العربية سن منظومة تشريعية موحدة بشأن الشركات العابرة للقارات، بما يجعلها تحترم الخصوصية العربية، وتلتزم بدفع الضرائب العادلة على أرباحها المحلية. يتحقق ذلك من خلال تفعيل اتفاقية تعاون رقمي عبر جامعة الدول العربية لفرض معايير موحدة لمنع «الإقصاء الرقمي» (De-platforming) للمحتوى العربي، ومكافحة التحيّز الخوارزمي ضد القضايا العربية العادلة (كما رأينا في تضييق الخناق على المحتوى الفلسطيني).

ثالثا: الاستقلال المعرفي: ونقصد به تطوير «نماذج لغوية» عربية ضخمة، فتطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالي (مثل ChatGPT) المُبرمجة بقيم وثقافة ولغة الجهات التي طورتهما، قد تشكل نوعا من «الاستعمار المعرفي» عبر إعادة صياغة العقل العربي وفق قوالب جاهزة.

وتتطلب المواجهة دعم المبادرات العربية (مثل تجربة «جيس» الإماراتي أو «نور» السعودي لتطوير نماذج لغوية ضخمة (LLMs) تعتمد على التراث والثقافة واللغة العربية، لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي المستقبلي في منطقتنا نابعا من هويتنا، لا مجرد مترجم لثقافة الآخر.

وهنا تبرز المبادرات التي أطلقتها عدة مؤسسات إعلامية عربية لتطوير المحتوى الصحفي عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، ودعم المحتوى العربي في المنصات الرقمية ومنها مبادرة أكاديمية دبي للإعلام، التي عقدت شراكات مع نقابة الصحفيين ومؤسسة الأهرام ووكالة أنباء الشرق الأوسط – خلال زيارة مديرتها «منى بو سمرة» للقاهرة في يوليو الماضي لتحقيق هذا الهدف.

رابعا: التحول من موقع «المستهلك» إلى موقع «المبتكر» من خلال دعم الاقتصاد الرقمي المحلي فالسيادة لا تكتمل بدون استقلال اقتصادي، عبر تقليل الاعتماد على البرمجيات والمنصات الغربية ودعم الابتكار المحلي وتوجيه الاستثمارات السيادية العربية نحو «الشركات الناشئة» في مجالات الأمن السيبراني، والبرمجيات المفتوحة المصدر، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المحلية، لخلق نظام بيئي رقمي يقلل من النزيف المالي للخارج.

خامسا: بناء ما يمكن تسميته «الجيش السيبراني» وتعزيز الوعي الشعبي، فالحروب القادمة لن تُخاض بالدبابات فحسب، بل بتعطيل شبكات الكهرباء، واختراق الأنظمة المصرفية، وتزييف الوعي عبر «الذباب الإلكتروني».

وهو ما يتطلب إدراج «الثقافة الرقمية» و«السيادة السيبرانية» في المناهج التعليمية، وتأسيس كليات متخصصة في الدفاع الرقمي والهجوم السيبراني الاستباقي لحماية البنية التحتية الحساسة.

إن «السيادة الرقمية العربية» ممكنة إذا توافرت الإرادة، وبخاصة بعد الزخم الشعبي العالمي الذي رأيناه مؤخرا في كسر السرديات المضللة عن قضايانا، وهو ما ينبغي استثماره لبناء منصاتنا الخاصة. فالعالم لا يحترم إلا الأقوياء، والقوة في العصر الرقمي تكمن فيمن يمتلك مفتاح المعرفة لا فيمن يكتفي باستعمال أدواتها!

التعليقات