السلطة الرابعة «4»

السلطة الرابعة «4»

سناء البيسي

مسكونة أنا ببياض الورق .. أتوجه إليه مفتونة مأمورة صاغرة..المسرح الشاغر في انتظار البطولة .. الأرض البِكر شرقانة لوارف الشجر وتجمعات الزهر وثغاء الطفولة .. أفق الفضاء والصفاء والنقاء وشفافية اللاحدود، واللا تشكيل، واللا تقسيم، واللا تأويل، واللا تفسير، واللا انحياز، واللافهرسة.. البراءة الأولى والثوب الناصع، والصمت الذي يسبق فِعل الخلْق ، وفعل الخلْق لصاحب القلم هو الكتابة على هذا البياض التى تُظهر حروفها آثار الأقدام والأقلام، وأصحاب الخير والشر، ودعاة البناء والهدم، وسلطة العُتاة وقيام العدل، والسلم والحرب، وأفعال الزمان وما تحمله الأيام، وصائمى رمضان وعبدة الشيطان.. لحظة احتكاك القلم ببياض الورق كي تنهض الحروف من سباتها أمامها سكتا سفر: أولاها تُحلق بالمداد للأعالى نحو ضياء الشمس لتكتب عن الإيمان والحب والود والألفة ومواكب الجَمال وسحر الإبداع وموسيقى الخلود وملائكة الكون.. وثانيتها لاختراق الليل البهيم لتكتب عن السقوط لدرك شياطين الإنس والجن، حيث يتفوق بعض البشر في الشر عن الأبالسة ذاتهم، وجاء ذلك في قوله سبحانه لنبيه الكريم في سورة الأنعام : «وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يُوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم ومايفترون» صدق الله العظيم، وهنا قدم سبحانه وتعالى خطر شياطين الإنس عن شياطين الجن، وفى رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاءه أبوذر أنه قال: «يا أباذر هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن؟ فقال: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم، والمعنى أن شر شياطين الإنس أعظم من شياطين الجن، وذلك لأنك ما أن تستعيذ بالله حتى يتبدد شيطان الجن فى طرفة عين، بخلاف شيطان الإنس الذى لو قرأت عليه القرآن كله لقال لك قاعد لك للسنة الجاية، فهو يجادلك، وقد يقنعك ويغريك، ويفعل كل شىء حتى يوقعك فى الغلط..

جولى براون

وإذا ما كان يتم سلسلة «تصفيد» الشياطين فى رمضان كما ورد فى الحديث الشريف: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار وسُلسلت الشياطين»، فهنا التصفيد حقيقة يقلل من شرور شياطين الجن، لكن شياطين الإنس تستمر فى المعاصى على مدى القرون والعقود وحتى يومنا هذا، ولو انتحر أو قتل فى محبسه بنيويورك شيطان الإنس جيفرى ابيستين» مدرس الرياضيات فى أغسطس 2019 الذى أقام الدنيا وجعلها لا تستطيع مع نشاطه الشيطانى عودة إلى طبيعتها من خلال ثلاثة ملايين وثيقة فاضحة، وألفى مقطع فيديو يُدين العديد من مشاهير العالم، ومائتى ألف صورة تكشف المستور فقد سبقه على درب شياطين الإنس من أمثاله الكثيرون منهم الماركيز دى ساد (1740 – 1814) صاحب المذهب السادى الذى كتب معترفا: «نعم أنا قد ارتكبت الكثير من المعاصى لما لا يمكن لأحد تخيله، لكنى بالتأكيد لم أفعل كل ما تخيلته وسعيت إليه»، واليوم تمر الذكرى الـ 212 على رحيله واسمه الحقيقى «دوناتيان ألفونس فرانسوا» وكان الكاتب الملعون قد قضى 32 عاما من حياته خلف القضبان وفى المصحات العقلية بما فى ذلك سجن الباستيل بسبب فضائح وممارسات واتهامات بالتجديف والإلحاد ومذهبه الإباحى «البورنوجرافيا» ومن أشهر أعماله «أيام سدوم المائة والعشرون» التى لم تترجم للعربية مع غالبية نصوصه الإباحية الأخرى ومنها روايته «مدرسة الفجور» التي كتبها في الباستيل في فترة 37 يوما عام 1785 وخشية مصادرتها كانت حروفا دقيقة للغاية على لفافة ورقية طولها 12 مترا خبأها بين حجارة زنزانته حتى تم العثور عليها في عام 1904، ومن أعماله المحظورة أيضا «مصائب الفضيلة» و«الفلسفة فى المخدع»، وفى روايته «جوستين» – التى أفلتت من الحظر – يقول البطل الناطق بلسان الكاتب الماجن أن الرجل أقوى من المرأة، وجدير به معاملتها كحيوان يُستخدم وقت الحاجة ثم يعاد للحظيرة، فإذا ما منحته الطبيعة تلك الحقوق فلم يحرم نفسه منها، والمرأة مخلوقة لملذات الرجل ونزواته فقط، وكان قانون حليف الشيطان «لتستمتع بأى وجه كان وعلى حساب أى شخص كان» ويأتى السؤال بعد 70 عاما من وفاته من قبل الكاتبة سيمون دى بوفوار: «هل كان يجب إحراق ساد؟! وذلك لأنه كان نموذجا للإباحية الشاملة والإلحاد الذى لا رجوع عنه عبر غوص كلماته فى أقاصى النفس البشرية وأهوائها ورغباتها العارمة وإطلاق غرائزها الحيوانية بلا قيود تحد من حريتها».

وفي طابور شياطين الإنس لابد من ذِكر الأمير النورماندي «فلاد الثالث» (1431 – 1476) المعروف باسم «دراكولا» الذى اكتسب شهرته الدموية بسبب استخدامه الوحشى للخازوق فى إعدامه لأعدائه خاصة العثمانيين، حيث قدر عدد ضحايا خوازيقه بـ100 ألف شخص، مما ألهم الكاتب «برام ستوكر» لخلق شخصية مصاص الدماء الشهيرة Duraculea ومعناها بالرومانية «ابن اتنين» وعندما يُرسل السلطان العثمانى إليه وفدا مطالبا بدفع الجزية المتأخرة عليه والمقدرة بمبلغ 10 آلاف دوقية ذهبية إلي جانب تقديم 500 من الشباب للخدمة ضمن الفرق الانكشارية يرفض «فلاد» ويأمر بتسمير عمائم الرسل العثمانيين علي رؤوسهم بعد رفضهم خلعها أمامه فى مشهد أثار قطيعة نهائية مع الدولة العثمانية، ويُصر السلطان محمد الفاتح على القضاء عليه نهائيا ضمن معارك كثيرة من الكر والفر فيُرسل إليه فى النهاية فى نوفمبر 1476 قوات عثمانية تمكنت من قتله وقطع رأسه لتعرض على خازوق فى «أدرنة» بينما يُدفن جسده فى «دير كومانا» الذى كان بمثابة مخبأه وقت الشدائد.. وتضم القائمة الشيطانية من بنى الإنسان «إيفان الرهيب» (1530 – 1584) الذى أعلن فى البداية أميرًا لموسكو وهو فى الثالثة لتظل والدته «يلينا جلينسكايا» تحكم بالنيابة عنه حتى وفاتها بالسم عام 1538 ليغدو قيصرا لروسيا ما بين عامى 1547 و1584 يقتل في أحداثها ستون ألفا فى مدينة واحدة هى «نوفو جورد» الروسية تخوفا من استقلالها، وزيادة فى سواده الداخلي قام بقتل ابنه المتمرد عليه بالعصا التى يحملها غالبًآ لمعاقبة الخدم لتتسبب الضربة في تشقق جمجمة الابن، وتبقى لوحة مقتل الابن الذى يحتضنه فيها الأب القاتل فى لوعة – وكان قد رسمها الفنان الروسى «إيليا ريبين» فى عام 1583 – رمزا خالدا لانكسار النظام ومدى إصابة إيفان بالجنون... وألم يذكر القرآن الكريم والكتاب المقدس «مدينة سدوم وعمورة» التى تقع فى تل الحمام بمنطقة البحر الميت وغور الأردن – التى عاقبها الله على شذوذها وولوغها فى الإثم بالهلاك كما ذكر فى سورة الأعراف «وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين» صدق الله العظيم، وجاء العقاب فى سفر التكوين بالكتاب المقدس «أمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من السماء وقلب تلك المدن..» وليس من قبيل التكهن أو أنباء السوشيال ميديا المضروبة، وإنما حقيقة أن هناك فى الولايات المتحدة وحدها أكثر من خمسين ألفا من عبدة الشيطان، وعلى مستوى العالم أكثر من مائة ألف يتبعون أربعة آلاف منظمة سرية أعضاؤها من المتحرشين بالأطفال الذين يحركون السياسيين ويسيطرون على أصحاب الثروات ووسائل الإعلام وصناعة السينما، وأشهر تلك المنظمات جماعة «مونتاكا» فى الهند، و«دوكر» فى بلجيكا، وأكثر شعاراتها ذيوعا رأس العنزة والنجمة الخماسية، وموسيقاهم الصاخبة المفضلة «الهيفى ميتال» و«الهارد روك» وكل ذلك جاء في تقرير عام 1990 فما بال عدد الملاعين ونحن الآن قد اجتزنا أبواب الـ2026 حيث يجر العام الجديد إلي أيامه جبلا من ركام فضائح جزيرة الشيطان جيفرى إيبستين!

ومثلما تقول الآية الكريمة: «وإذا أردنا أن نُهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» صدق الله العظيم... إيبستين استغل زحف الصدأ على نفوس البعض من أثرياء الكون الذين يمتلكون كل شىء حتى لم يعد هناك ما يثير فضولهم أو اقتناءه.. من هنا جاء تسلله.. من تلك النقطة استطاع الإمساك بمفتاح الوصول لهدفه.. من تزويج المال بالنفوذ نسج مخططه. بدغدغة الحواس المتيبسة بلغ مراده. بإعادة فتح الشهية تم الوقوع فى المصيدة. بإحياء الموات واستعادة نهم الذكريات تفتحت القلاع الموصدة.. وإذا ما كان الطبيعى والمتاح وما فى متناول اليد والدولار قد أصاب أصحابنا بالتخمة والملل، فهناك أطباق طازجة ومبتكرة، لها مذاق خاص ونكهة متفردة وتقديم بلا مثيل، وطهاة من وراء العقل يطهون بجدارة جميع أنواع الذبائح حتى لحم البشر، وذلك على أرض جزيرة «ليتل سانت جيمس» الخلابة التى تنأى بهم عن فضول العيون والترصد على مساحة 75 فدانا حافلة بمراتع اللهو وحوافز الانطلاق اشترتها أمريكا من الدنمارك لتبيعها لابن ابيستين ليجعلها على مدى عشرين عاما الملهى والمخبأ والملاذ.. طار إليه أثرياء الكون وأصحاب المناصب والمراكز والنفوذ وأبناء الأمراء والملوك.. حطوا على الأطباق فرادى وجماعات من الشرق والغرب وبلاد الواق واق ينضون ثوب الالتزام والاحتشام ويطلقون وحوشا بأنياب وأظافر مكثت سنين بداخلهم مكبلة لزوم الأوضاع الرسمية والاجتماعية والقانونية.. أرض درة الكاريبى فتحت ذراعيها لاحتضان «بيل كلينتون لنراه فى لقطة ماجنة بثوب غانية بالكعب العالي لتوضح الوثائق أنه كان الصديق المستدام ليجفرى إبيستين ليشاركه مذاقات التفاح الحرام، وكنا لغبائنا قد أشفقنا عليه زمان عندما اضطر للاعتذار علنا للشعب الأمريكى حول علاقته بالمتدربة بالبيت الأبيض «مونيكا ليونيسكى» التى أهدته كرافتة حمراء يعقدها فى كل مكان، وكانت كل زوجة على مستوى العالم تتمنى لو أنها اختلت بهيلارى كلينتون الزوجة لتطيب خاطرها وتنصحها بالتعقل والغفران حتى لا تخرب بيتها الأبيض بغيرتها، وتوضح الأخبار الآن أنها كانت فى صحبة زوجها للجزيرة عدة مرات.. وغير بيل شاهدنا أميرا ذائع الصيت فى إحدى اللقطات يزحف علي أربع في طابور الصغيرات المُعصبة عيونهن فى لعبة استغماية، ومكثنا جميعا نتساءل عما دعا عالم الرياضيات «ستيفن هوكنج» المقعد بالذات للسفر لجزيرة الصيد والقنص وهو الذى لا يهش ولا ينش ولا يحرك رمش، وكان من الزوار الأفاضل «ستيفن تيس» أبرز رجال الأعمال الأمريكيين الذى تحدث أكثر من 400 مرة بإبيستين للزيارة والتجارة وأمور خاصة، و«لارى لورانس سامرز» رئيس جامعة هارفارد ووزير الخزانة الأمريكى الأسبق، و«ايهود باراك» رئيس الوزراء الاسرائيلى السابق - خيط الوصال مع الموساد - الذى يقر بزيارته للجزيرة بانتظام خلال رحلاته إلى نيويورك وإقامته مع زوجته فى منزل إيبستين، و«ستيف بانون» مستشار ترامب السابق الصديق المقرب لإيبستين إلي ما قبل وفاته بأشهر، حيث ناقشا معا فى مكالمتهما الأخيرة إنتاج فيلم وثائقى بهدف تحسين صورة السجين، والملياردير البريطانى «ريتشارد برانسون» الذى حافظ على علاقته الوثيقة مع إيبستين منذ إدانة الأخير فى قضية تتعلق بقاصر عام 2008، والملياردير «بيل جيتس» الذى وصف ما جاء حول علاقته بصاحب الجزيرة بأنها معلومات سخيفة وكاذبة و«إيلون ماسك» الذى تشير الوثائق إلى أن علاقتهما كانت أوسع مما هو معروف، و«الأمير أندرو» الذى اعتذرت زوجته السابقة «سارة فيرجسون عن علاقتها بإيبستين وطلبها منه 15 ألف استرلينى لتسديد ديونها، واتضح أنها كانت تصحب ابنتيها معا للمكوث فى إحدى شقق الصديق، وقد قام الملك تشارلز رسميا من بعد ظهور اسم شقيقه أندرو فى فضائح إبيستين بتجريده من الصفة واللقب وكافة التكريمات الملكية، حيث أعلن أندرو بدوره أنه قد غادر قصر رويال لودج فى ضاحية وندسور للأبد وكان مقرا لإقامته منذ عام 2004، ويؤكد الملك والملكة من قصر باكنجهام أن تعاطفهما الكامل كان ولايزال مع الضحايا والناجين من جميع أشكال الاعتداء فى الجزيرة.

ومع تصاعد التحقيقات وتسريب أسماء وشبكات محتملة، واجه عدد من المسئولين الأوروبيين ضغوطا سياسية وإعلامية متزايدة، انتهت في بعض الحالات بفقدان مناصبهم أو انسحابهم من الحياة العامة، أو مواجهتهم تحقيقات من بلادهم، وهذه التطورات لم تكن بالضرورة نتيجة إدانات قانونية بقدر ما عكست من أزمة ثقة عميقة بين الرأى العام والنخب السياسية فى أوروبا جمعاء، وأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول حدود النفوذ وأثر العلاقات الشخصية على العمل السياسى فى الديمقراطيات الأوروبية، وقد أصبح السؤال الدائر الآن فيما إذا كان ما ظهر من حجم الفضيحة هو الوجه الخفى فى التحول التاريخى غير الطبيعى للأخلاق نفسها، فالانفجار الأخلاقى مع تلك الوثائق يشير إلى فئات وآلاف الجرائم التى ارتكبت أمام أعين الأجهزة الرقابية والقضائية لسنوات طوال، وهو ما يدفع لمعرفة كيفية استمرارها داخل المنظومة الأخلاقية الغربية التى تسود فيها شعارات مثل «لا أحد فوق القانون» و»المؤسسات أقوى من الأفراد».. لماذا صمت من صمت؟! وكيف تحول الصمت إلى تواطؤ حيث تركت القضية شعورا عاما بأن العدالة حبر على ورق وأنها موجودة فقط كإجراء، لكنها فيما يبدو لم تعد تمثل يقينا أخلاقيا بعد تعاظم نفوذ المال والسلطان لتبدأ الحدود بين الأخلاق والنافع فى تآكل، ليغدو السؤال المطروح على جميع الساحات ليس عن المخطئ وجرائمه وإنما عمن يملك القدرة على الإفلات، ومن هُنا وبحسب «تود بلانش» المحامى السابق لترامب ونائب وزير العمل أن جميع ما جاء في الوثائق لا يستطيع أن يلحق بترامب الضرر، ومن غير المرجح أن تترتب على كل ما يُذاع عواقب سياسية أو قانونية ملموسة.. ولكن مهما يكن وجاء العقاب فسوف يسود لدى الكثير من الأفراد أصحاب أصوات الانتخاب الانطباع بأنهم يعيشون داخل منظومة فاسدة للغاية.. هذا ولم يصب الصدع جدار المنظومة الأخلاقية الأوروبية فقط، بل لقد امتدت الشروخ وتشعبت لتسقط بين براثنها أسماء عربية لتلوكها الألسن، وترفضها العقيدة، وتزيحها العشيرة، ويدينها المجتمع، وتخلفها فى عتمة الشجب المسيرة المتجهة للأمام.

دراكولا - الماركيز دى ساد - جيفرى إيبستين

وفى أوروبا كانت إصابات بالغة الأثر، فقد استقال «ميروسلاف لايتشاك» مستشار الأمن القومى لرئيس وزراء سلوفاكيا بعد ظهور مراسلاته مع إبيستين، وقدمت «مؤنا يول» سفيرة النرويج لدى الأردن والعراق استقالتها لعلاقتها بإبيستين ليقول وزير الخارجية معُلقا: «من الصعب استعادة الثقة التي يتطلبها مثل هذا المنصب، وقدم «جاك لانج» وزير الثقافة الفرنسى السابق ورئيس معهد العالم العربي استقالته بعد ما ظهرت وثائق بخط اليد تطلب من إبيستين استخدام سياراته وطائراته، وأعقبته فى الاستقالة ابنته «كارولين» من منصبها كرئيسة لاتحاد الإنتاج المستقل لعلاقتها بدورها بجيفرى وجزيرته لتكتب فى الاستقالة «لا أريد أن يضر هذا الوضع بالنقابة بأى شكل من الاشكال».. وتجدد الأميرة «ميت بريت» ولية عهد النرويج أسفها العميق لعلاقتها بجيفري وكانت قد استعارت منه شقة فى بالم بيتش بولاية فلوريدا لعدة أيام عام 2013، وقالت «ميت» فى بيان للديوان الملكى النرويجى: «أعتذر لكم لأننى خيبت أملكم، ولأن بعض محتوى الرسائل بيني وبين إيبستين لا يمثل الشخصية التي أريد أن أكون عليها»، وتعتذر الأميرة لوالديها الملك والملكة أصحاب العائلة التي تخضع هذه الأيام لمصيبة أخرى حيث بدأت محاكمة «ماريوس بورج هويبى» ابن ولية العهد ذاتها بأربع تهم اغتصاب.. ويخوض رئيس وزراء بريطانيا «كير ستارمر» أصعب تداعيات قضية «مندلسون - إيبستين» وذلك لأنه كان وراء تعيين «بيتر مندلسون» القيادى العمالى البارز سفيراً لدى الولايات المتحدة، رغم علمه بوجود صلات سابقة بين «مندلسون» و«إيبستين» المدان بجرائم اعتداء على قاصرين، ورغم استقالة «مندلسون» من حزب العمال ومجلس اللوردات فإنه بعد إقالته من منصب السفير بعد سبعة أشهر فقط ظهرت وثائق إضافية تظهر قيامه خلال توليه منصبه وزيرا للتجارة قبل أكثر من 15 عاما بتسريب معلومات حكومية حساسة إلى إيبستين مقابل أموال... ويشعر عدد كبير من المشاهير بتوتر شديد الآن لإزاحة الستار تدريجيا عن الوثائق الفاضحة، فالكثيرون زاروا إيبستين رغم أنه كان قد أدين بالفعل بجرائم جنسية، وقد ألمحت «الديلى ميل» إلى احتمال كبير فى أن يكون إبيستين قد عمل كجاسوس لصالح روسيا وفقا لمصادر فى الاستخبارات، فقد كان يدير أكبر عملية خداع بالإغراء على مستوى العالم ربما نيابة عن الـ«كى جى بى KGB» وحيث تزعم رسائل البريد الإلكترونى أن هناك لقاء قد جمع جيفرى إيبستين بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين، ويؤكد النائب الديمقراطى «جاريد موسكوفيتز» لشبكة الـCNNبعد اطلاعه على العديد من الملفات المفرج عنها أن هناك إخفاء مبالغا فيه وبشكل فج للمعلومات حيث يبدو ظاهريا للعيان وكأن الأمر متعمد، ومن بين تداعيات هذا الوضع ضياع حقوق الضحايا الحقيقية وسط البيانات التى قد تستخدم بشكل انتقائى لخدمة أجندات مختلفة تتجاهل الضحايا وهو ما يُلقى بظلال من الريبة بخصوص نزاهة جزء من النخب الحاكمة فى العالم.

نهاية شيطان الإنس جيفرى إيبستين كانت فى 10 أغسطس2019 داخل زنزانته بمركز متروبوليتان الإصلاحى فى نيويورك عندما عثر الحراس على جثمانه معلقا إلى جانب سريره، وكان فى انتظار المحاكمة بتهم الاتجار الجنسى، ولشكوك المحامى فى أن الوفاة ليست انتحارا أجرى مكتب التحقيقات الفيدرالى والمفتش العام لوزارة العدل التحقيقات فى ظروف الوفاة لتوجه بعدها للحراس المناوبين عدة تهم منها تزوير السجلات والإهمال، مما دعا «ويليام بار» المدعى العام لإقالة مدير السجن، وكان من بين الأمور ظهور انتهاكات غير معتادة مثل تعطل كاميرتين أمام الزنزانة بالذات، ونقل زميل جيفرى فى الزنزانة دون بديل له كالمعتاد، كما أن لجوءه لاستخدام ملاءة السرير للانتحار يعد أمرا غير مستساغ مع وجود مواد أخرى فى المكان كوسيلة للخنق مثل الأسلاك والأنابيب الخاصة بجهاز التنفس لكونها أقوى وأطول، إلى جانب شهادة أحد ضباط السجن واسمه «روبرتوفالفا» الذى ذكر فى إحدى الوثائق المفرج عنها أن هناك عربة لنقل السجناء – وهى التى لا يُسمح بدخولها عادة إلا فى ظروف خاصة – تم قدومها ليلة الرحيل لحمل جيفرى إلى داخلها فوق مقعد متحرك، وتشير استطلاعات الرأى إلى أن نسبة صغيرة للغاية من الأمريكيين تعتقد أنه توفى انتحارا مقابل 45% متأكدون من قتله، هذا إلى جانب أن إيبستين محال أن يكون قد فكر فى الانتحار لاستعداده للزواج بمجرد الإفراج عنه – كما وعده المحامون – بطبيبة الأسنان «كارينا شولاباك» ذات الأصول البيلاروسية التى التقاها عام 2009 وجهز لها صك الإقامة ثم الجنسية الأمريكية، وكتب لها في وصيته 100 مليون استرلينى نصفها تمنح لها في الحال، وقصرا فى مانهاتن، وعدة جزر وعشرات من قطع الماس النادرة.. وجاءت آخر مقابلة على مدى ساعتين قام فيها متخصص بتدريبه على الحوار الإعلامى عند محاكمته المستقبلية ليسأله بعدما استفزته إجابات جيفرى: هل أنت الشيطان؟!

وألم أقل لكم إنها السلطة الرابعة وإن أمة بلا صحافة لا عين لها فتبصر ولا قلب لها فتشعر، وصدق تولستوى فى قوله العابر للزمان بأن الجرائد سيف الحق الباتر الذى يُهدد عروش الطغاة ويدك معاقل الظالمين، وهل ننسى فى هذا المجال قلم صاحب القلم الكاشف للحقيقة إحسان عبدالقدوس فى سلسلة مقالاته عن الأسلحة الفاسدة على صفحات روزاليوسف التى كشفت النقاب عن الجريمة التى اقترنت بتسليح الجيش المصرى من أجل أن يخوض معركة تحرير فلسطين عام 48، حيث استوردت الذخائر الفاسدة ومنها 13 ألف قذيفة من مخلفات الحرب الماضية من أنواع مختلفة التصميم والقياس وغير موحدة، وكان البعض منها قد تعرض للبقاء فى المياه المالحة لمدد طويلة فعراه الصدأ وحدث به تآكل شديد فى القمة لتغدو جميعها بمثابة الكهنة، ويؤدى طرح قضية الفساد التى كشفها عبدالقدوس فى مجلس الشيوخ إلى المعركة التى تؤدى بدورها إلى سقوط النظام القديم وقيام نظام جديد هو ثورة 23 يوليو1952، ويعود لقلم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى تحقيقاتها المنشورة بالأهرام الفضل فى منع بيع هضبة الأهرام لمستثمر كندى لبناء منتجع سكنى بها، وكان ضمن المشروع عمل بحيرة مساحتها 12 فدانا بينما الهرم عاش على الجفاف، ولذلك بنى فوق مستوى النيل حتى لا ينال منه الماء والبخر، ولو تم المشروع فإنه خلال عشر سنوات لا غير سيفتته البخر، وتتصدى نعمات بمقالاتها النارية الكاشفة أيضا كى لا تكون مصر مدفنا للنفايات النووية، وكانت مصر قد وقعت بالأحرف الأولي بروتوكول اتفاقية فى عام 78 تقضى بدفن نفايات ذرية قادمة من النمسا فى صحراء مصر الشرقية، وفور عرضها لمضار المشروع منعت تحقيقاتها حتى وصل أمر حملتها للعالم أجمع لتتراجع النمسا عن المشروع.. والآن زلزال جزيرة المتعة وتوابعه من استقالات والتوارى فى طيّات الظلام، بعدما تلاعبت الأصابع المدربة فى الكثير من وثائق الحضور والغياب وفيديوهات تناول المقبلات المحرمات خلال حفلات المجون والجنون.. هذا الزلزال من صنع امرأة ذات بأس.. صحفية قديرة في قسم التحقيقات بجريدة «ميامى هيرالد الأمريكية».. المناضلة في بلاط السلطة الرابعة «جولى براون» التى تفرغت لمهمتها الإنسانية. لواجبها الصحفى. لحدسها المهنى. سكة سفرها للحقيقة الدامغة.. عامان وأكثر باذلة أقصى جهد للتقصى فى مطاردة الحقيقة التى حاولت النخبة السياسية والمالية دفنها.. بدأت جولى تجمع خيوط بحثها منذ عام 2005 من نقطة تلقى شرطة «بالم بيتش» بفلوريدا شكوى من فتاة فى الرابعة عشرة اتهمت الملياردير «جيفرى» باستغلالها في قصره، وسرعان ما تبين أن هناك عشرات من القاصرات غيرها من خلفيات فقيرة هشة قد وقعن ضحايا لشبكة إجرامية مُنظمة تجذبهن بالمال والمساعدات وتجعلهن يجندن غيرهن، ورغم اتساع نطاق التهم، فالصفقة السرية التى أبرمت عام 2007 مع المدعى العام الفيدرالى فى جنوب فلوريدا «ألكسندر اكوستا» – الذى أصبح لاحقا وزيرا للعمل فى عهد ترامب – لم تعاقب المتهم جيفرى على كمية التهم المرفوعة ضده سوى بطلب اعترافه بجريمتين تافهتين فقط عقوبتهما الرمزية لا تتعدى الـ13 شهرا فى سجن محلى، مع إمكانية الخروج يوميا للعمل والاتفاق على عدم ملاحقته هو أو أى من شركائه فى أى تهم فيدرالية مستقبلية، أى لا اليوم ولا غدا وهو الاتفاق الذى لم تخطر به الضحايا ويعد مخالفة للقانون الفيدرالى وتظل القضية معلقة لسنوات طويلة رغم عدة تقارير صحفية تشير إليها من قريب وبعيد، لكنه فى أواخر عام 2016 وبينما «كوستا» مرشحا لوزارة العمل ساءلت «جولى» نفسها كيف لرجل متهم باستغلال عشرات القاصرات ألا يكون عقابه بمثابة مهزلة على يد هذا الذى سيجلس على مقعد وزارة العمل مسئولا عن تأمين حياة ملايين العمال؟! هنا بدأت جولى الانخراط فى المهمة المستحيلة بقراءة آلاف الصفحات من الوثائق القضائية المحجوبة جزئيا، وذهبت تبحث عن الضحايا واحدة تلو الأخرى مسافرة لكل منهن عبر الولايات المتحدة شرقا وغربا، فوق الأسطح وفى غياهب البادرونات لتلقى كما المتوقع العديد من المخاطر والصعوبات والتهديدات المبطنة والسافرة، لتستطيع التحدث مباشرة إلى أكثر من 60 ضحية من أصل 80 لتكتشف أن «جيفرى» كان يستخدم معهن الترهيب المستمر إلى جانب طاقم كامل من عتاة المحامين المتخصصين في التلاعب بالقانون.

ويأتى صباح 28 نوفمبر لتبدأ «جولى» نشر سلسلة مقالاتها الكاشفة تحت عنوان «الصفقة المطبوخة فى السر» التى تضم اجتماعات إبيستين السرية مع كوستا في فندق ماريوت بالم بيتش، واستجوابات الضحايا واستعراض حياتهن البائسة المرتعشة ودور المحامين اللولبى في عرقلة ظهور الحقائق وتهديد ضباط الشرطة المكلفين بالتحقيق بجمع معلومات مخالفة فى سجلاتهم لابتزازهم وجاءت النتيجة انفجارا إعلاميا تعيد معه السلطات الفيدرالية فى نيويورك فتح التحقيق من جديد فى يوليو 2019 ويتم اعتقال إبيستين ويضطر كوستا للاستقالة من منصبه كوزير للعمل، وتغدو «جولى براون» رمزا لصحافة الكشف عن الحقيقة لتروى بعدها تفاصيل رحلة إدانة المجرم فى كتاب تم إعادة طباعته عشرات المرات بعنوان «عدالة منحرفة».. لتكمل مسيرة فدائى السلطة الرابعة أمثال «بيرنشتاين» وزميله «بوب وودوارد» المراسلين فى صحيفة «واشنطن بوست» اللذين قاما بجمع معلومات فضيحة «ووترجيت» التى أدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون فى نهاية المطاف، وكان الرائد الأول في تاريخ الكشف الصحفي اسمه «الدريتش» عندما قام بكتابة سلسلة مقالات بعنوان «خيانة مجلس الشيوخ» عام 1906 مما أدى إلى تعديل الدستور الأمريكى ليغدو انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ بالاقتراع الشعبى المباشر.

وليست النهاية دائما تأتى بما يرجى منها على الجانبين، فربما الكشف يلقى استجابة من المسئولين لإصلاح الخطأ وإعطاء كل ذى حق حقه لكن فدائى مهنة البحث عن المتاعب قد يلقى حتفه في سبيل إبراز الحقيقة، وكان آخر ضحايا صحافة الاستقصاء الصحفى الهندى «موكيش تشاندرا كار» الذى قتل أخيرا بعد نشره تحقيقا يكشف المخالفات فى مشروع تطوير الطرق بالهند سلط فيه الضوء على سوء حالتها مما دفع الحكومة إلى فتح طريقين جديدين نموذجيين، وربما كان العدد البالغ حتى الآن، 254 صحفيا فلسطينيا شهيدا أبلغ مثال على عمل الصحفى الدؤوب فى كشف العدوان الاسرائيلى حتى النهاية.. نهاية الحياة!! هذا وقد يقتصر اضطهاد صحفيو الحقائق إلى مجرد الزجر فقط أمام كاميرات العالم مثل ما نالته «كاتيلان كولينز» مراسلة الـCNN عندما سألت الرئيس ترامب هذا الأسبوع: ماذا تقول لمن لم ينالوا العدالة من ضحايا ملفات إيبستين؟ فأجابها في الاتجاه المعاكس: «أنت سيئة للغاية، بل أنت أسوأ صحفية، لا أظن أننى قد رأيتك تبتسمين قط، أعرفك منذ عشر سنوات ولا أظن أننى رأيت ابتسامة واحدة على وجهك لأنك لا تقولين الحقيقة، وعلى مؤسستك الكاذبة أيضا أن تخجل منك»، ويشير بإصبعه للمراسلة كاترين لوسى: «اسكتى يا خنزيرة»، ويثيره اتساع نطاق فضيحة القرن التى قد يمسسه رذاذها فيهدد – وهو ما يتطلع العالم أجمع لتنفيذه – بأنه سوف يعلن الافراج عن وثائق مقتل جون كيندى ومارت لوثر كينج، وأسرار 11 سبتمبر.. أما «كارولين ليفيت» المتحدثة باسم البيت الأبيض فقد أجابت على سؤال الصحفى المستقصى عمن اختار العاصمة بودابست للقاء بين ترامب وبوتين؟ فأجابته: «أمك!!».. بما معناه باللغة العالمية الدارجة مصحوبا برجفة مقننة بالعين والحاجب: «جرى إيه يا روح أمك؟».

التعليقات