حاجتنا لعقد اجتماعى عربى جديد

حاجتنا لعقد اجتماعى عربى جديد

د. محمد يونس

تناولنا أهمية إحياء المشروع العربي المغيب في مقالين سابقين، ولكن قراءة الواقع الراهن في ظل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران والعدوان الإيراني على دول الخليج الشقيقة، وسط تحولات جيوسياسية كبرى، تتقاطع فيها مشاريع الهيمنة الخارجية مع أزمات داخلية عميقة، وتنكر خطير لفكرة القومية من جانب أصوات تحاول تجاوز حقائق الجغرافيا والتاريخ.. كل ذلك يجعلنا بحاجة الى صياغة عقد اجتماعي عربي جديد، يتلافى الثغرات التي لحقت بفكرة المشروع العربي منذ نشأتها في منتصف القرن الماضي، نتيجة ممارسات طغت عليها الشعارات الطوباوية، وغابت عنها إرادة الشعوب وتغافلت عن بعض المخاوف والحسابات المحلية ما أدى الى تحول مفاهيم كثيرة من أدوات للبناء الى معاول للهدم، ولعبت في هذه الأجواء قوى معادية لتغذية هذه المخاوف، ليتم وضع الولاء الوطني في وجه الولاء القومي، وتحويل القيم الحضارية الإسلامية من حاضنة للمظلة العربية الى منافس لها.

واليوم، يعاني الوضع العربي حالة تشرذم غير المسبوقة. وغياب الرؤية الجامعة، وتعدد الأولويات بين الدول، بل وتحول بعضها إلى أدوات في صراعات إقليمية لا تخدم المصلحة العربية العليا، حيث برزت مفاهيم مغلوطة تحاول الإفلات من عبء القومية العربية، تحت عناوين براقة مثل «البراجماتية السيادية»، التي تختزل دور الدولة في حماية حدودها فقط، أو «توطين القوة» مما يحول الأمن إلى سلعة تتنافس عليها القوى الدولية، ويغلف الانكفاء الاقتصادي بغطاء التنمية، ناسين أن التنمية الحقيقية لا تتحقق في ظل هشاشة الأمن القومي.

وتصاحب ذلك حملات إعلامية منظمة تستهدف تزييف الوعي، وتسويق الهيمنة كأمر واقع بداعي الازدهار التكنولوجي أو الاستقرار الوهمي. لذا بات لزاما علينا صياغة عقد اجتماعي عربي جديد، يتجاوز التنسيق الأمني التقليدي إلى رحاب بناء قومي شامل يحمي العقل والأرض معا، ولا يقتصر على البعد العسكري فقط، أو التعاون الاقتصادي وحده، بل يمتد ليشمل القضايا الجوهرية التي تشغل شعوبنا العربية. فلا يمكن للمشروع القومي أن ينهض دون ظهير شعبي، وهذا لن يتحقق إلا بعقد يمس حياة المواطن العربي مباشرة. وتتمثل أبرز خطوطه العامة فيما يلي:

-تأكيد احترام السيادة الوطنية كمدخل لحماية الأمن القومي العربي. وبما يجعل العلاقات العربية تقوم على المصالح المشتركة لا على الهيمنة والتبعية. وهنا لا يمكن إغفال أهمية السيادة الرقمية والمعرفية؛ فالعقد الجديد يجب أن يتضمن بناء بنية تحتية عربية للمعرفة العلمية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

- الحوكمة التشاركية، التي تخرج القرار من دائرة الاحتكار إلى فضاء المشاركة الواسعة، بما يضمن تمثيلا حقيقيا للإرادة الشعبية، ويحصن القرارات الوطنية من الاختراق والانهيار.

- ترسيخ حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، بالانتقال الحقيقي من مفهوم «الرعايا» إلى «المواطنين» المنتمين لمشروع عربي يقدس الحريات ويوفر فرصا متكافئة، مما يقطع الطريق على محاولات الاستقطاب الخارجي. وهو ما يتطلب توجيه المزيد من الاهتمام لحقوق الإنسان بمعناها الشامل، التي تبدأ بالحق في الحياة والأمن والكرامة، وتمتد إلى الحق في المشاركة والتعبير والعدالة.

-التكامل الاقتصادي الفعلي: عبر توفير سلاسل توريد عربية للغذاء والدواء والطاقة، تجعل من الأمن القومي مصلحة معيشية لكل مواطن.

- تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك بمنظور حديث يشمل الحروب الهجينة.

- تعزيز الوعي القومي العربي عبر منصات إعلامية تملك القدرة على صد «التزييف العميق» للتاريخ والجغرافيا. وقد يتطلب ذلك مبادرات مثل: إنشاء مجلس عربي للأمن السيبراني والمعلوماتي لحماية العقل العربي من التضليل. وتوحيد المناهج التعليمية فيما يخص القضايا المصيرية للأمة، ومواجهة الحملات التي تستهدف تمييع الهوية العربية والقفز على قضاياها الجوهرية باتفاقات مشبوهة على حساب الحقوق العربية المشروعة.

وتعزيز القيم الحضارية، وفي مقدمتها القيم الإسلامية التي تشكل مرجعية جامعة تتجاوز الخلافات السياسية والأيديولوجية. وتؤكد الكرامة والعدل والتكافل والتعاون، ويمكن أن تكون الإطار الجامع الذي يجمع شتات الأمة، لمواجهة لمشاريع الهيمنة الوافدة، والنزاعات الطائفية والمذهبية.

إذا لم يكن لدينا مشروع عربي، فسوف نصبح جزءا من مشاريع الآخرين.. لذا فإن العقد الاجتماعي الجديد الذي يستمد قوته من شعوب المنطقة، هو السد المنيع الذي سيحول الوطن العربي من مسرح للنفوذ إلى رقم صعب في المعادلة الدولية.

التعليقات