صلاح الدين الأيوبى.. أعاد «الفَلَاح» و«الضُحى»

صلاح الدين الأيوبى.. أعاد «الفَلَاح» و«الضُحى»

سناء البيسي

على متن الطائرة القادمة من ولاية «تكساس» الأمريكية بتاريخ السابع من أغسطس 2023 وصل إلى مطار بن جوريون فى الكيان خمس بقرات حمراء لاستكمال تربيتها فى مناخ خاص لا تحمل فيه أو تُحلب ليبلغ عددها مع الدفعة السابقة لها تسع بقرات، لتتبقى واحدة فقط كى تكتمل نبوءة التراث الخزعبلى الاسرائيلى بعشرة، يتم بعدها هدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل سليمان الثالث مكانه، حيث هدم لأول مرة من بعد سليمان، والثانى على يد القائد الرومانى قورش.. هذا ويقوم وزير التراث الاسرائيلى «ناتانيال اسحق» بزيارة البقرات دوريا فى مستوطنة «شيلو» بالضفة الغربية للاطمئنان على درع المستقبل الأحمر وسلامة الإجراءات المحيطة بالكامل، وأن لا أصبع آثمة تمتد تجاه ضرع نافر العروق باللبن، أو أن هناك ثورا هائجا يجترئ بالاقتراب من مكان ومكانة خوار الحظيرة المقدسة التى سوف يتم ذبح ساكناتها المقدسات بمجرد اكتمال العدد اللاهوتى، ثم حرقها بالكامل وخلط رمادها بالماء لتطهير الأرض قبل إقامة الهيكل، تسريعا بعودة المسيح المخلص على أرض مدينة القدس التى تعيش واقعا مريرا نتاج تطرف اليهود والمستوطنين..

الأقصى فى مدينة القدس.. عندما أنطق بأى من الاسمين ينعكس الصدى فى حنايا الصدر قرآنا وشعرا وفنا و..صلاح الدين الأيوبى... «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير».. صدق الله العظيم.. والأقصى لشوقى فى نهج البردة:

أسرى بك الله ليلا إذ ملائكه والرسل

فى المسجد الأقصى على قدم

لما خطرت به التفوا بسيدهم

كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم

صلى وراءك منهم كل ذى خطر

ومن يفز بحبيب الله يأتمم

وتشدو فيروز للقدس: يا قدس.. يا زهرة المدائن.. يا مدينة الصلاة.. عيوننا إليك ترحل كل يوم.. تدور فى أروقة المعابد. تعانق الكنائس القديمة. وتمسح الحزن عن المساجد..

ويزورنى مع أطياف القدس أحمد مظهر فى ثوب جلال فروسية صلاح الدين الأيوبى فى الفيلم الذى أفلست من بعده منتجته آسيا فى عام 1963 بعدما تعدت ميزانيته المائتى ألف جنيه، والذى صنع مجدًا محفورا لمخرجه يوسف شاهين، ولكتابه عبدالرحمن الشرقاوى ويوسف السباعى ونجيب محفوظ، ولقلب الأسد حمدى غيث، وللمليجى كورنراد، وعمر الحريرى ملك فرنسا فيليب أغسطس، وعيسى العوام صلاح ذوالفقار، وآرثر زكى طليمات الواقع فى غرام ليلى فوزى فرجينيا جميلة الجميلات.. وكان نسر صلاح الدين – الذى وجد فى قلعة صلاح الدين بالقاهرة وينظر بشموخ جهة يمينه دلالة على العظمة والكبرياء – شعارا يُزين علم مصر طوال حكم عبدالناصر حيث اعتمد خلال الاحتفال بمرور 6 أشهر على ثورة 1952 ليغيره السادات بالاتفاق مع حافظ الأسد ومعمر القذافى إلى صقر قريش وذلك فى الفترة ما بين (1971 – 1984) ويأتى عام 1984 ليعيد مبارك النسر إلى بيرقه بقرار من مجلس الشعب فى 2 أكتوبر على أن يقف مرتكزًا على قاعدة كتب عليها بالكوفى جمهورية مصر العربية، كما نقش فوق صدره درع يمثل علم الجمهورية..

أحمد مظهر.. صلاح الدين الأيوبى منتصرا فى موقعة حطين

صلاح الدين الأيوبى (1138 – 1193م) القائد التاريخى والفارس العالمى والسلطان الذى قاد المسلمين نحو انتصار غير مسبوق ضد الصليبيين فى معركة «حطين» الحاسمة فى 4 يوليو 1187م على نحو أدى إلى فتح بيت المقدس فى 2 أكتوبر من العام نفسه بعدما ظلت فى الأسر الصليبى منذ 15 يوليو 1099 حتى دخلها الناصر الأيوبى بنصل السيف وحكمة القيادة.. صلاح الدين الذى كُتِبت فى سيرته وفتوحاته مئات الكتب والأبحاث حتى يومنا هذا، من انقسمت الآراء من حوله بفريق تغالى فى المدح والثناء وألبسه ثوب الملائكة، وأسند إليه خوارق الأعمال، وآخر انهال عليه طعنا وقدحا محاولا سلبه من كل مكرمة وكل دور لعبه فى مواجهة الصليبيين، وعلى رأس هذا الآخر يبرز لدينا فى مصر رمزان من رموز الواجهة المتنمرة، التى نُقبل عليها للتعرف على الجديد المبتكر فى منظومة أستذة الاتهامات المعدة مسبقا، وحداثة المواقع لطلقات الرصاص الدامى والفشنك، وأصول وضع الأيقونة لنهايات مشئومة، والطريقة المثلى لفك صواميل الارتباط العاطفى بالبطل، والوجه المظلم للقمر الذى ثبت أخيرا ضياؤه، وتاريخ أهمله التاريخ قصدا بنوازع النبل والبحث العقلانى عن الحقيقة الغائبة، والخروج بصك براءة الذئب من دم ابن يعقوب.. نقبل عليهما وسرعان ما ندبر إتقاء آثار غليان الدماء فى العروق من غلظة هجائهما وصلافة ادعائهما، وإحاطة اتهاماتهما بهالة مرسومة من الجدية وعقد الجبين والقتامة والمعرفية الموقوفة عليهما من بطون المراجع ودهاليز المخطوطات والأضابير.. كل منهما قام منفردا ومتفردا بهدم أكثر من معبد على رؤوسنا، وشوه رموزا دينية ووطنية نحمل لها أبا عن جد توقيرا وإعجابا واحتراما لاشك فى رسوخه وصموده وحضوره والذود عنه.. أحدهما من قال عن صلاح الدين: إنه سفك من دماء المسلمين أضعاف ما سفك من دماء الصليبيين، وأنه لم يحرر فلسطين وإنما كانت القدس فقط التى سرعان ما عادت للصليبيين وأنه منع صلاة الجمعة فى الأزهر، وألغى المذهب الشيعى لفرض المذهب السنى عنوة، كل هذا بعدما قال عن عهد الخلافة الإسلامية إنها لم تكن أبدًا فترة عز، بل كان هناك اضطهاد وتكفير للعلماء، وطوال فترة معاوية حتى سقوط الحكم العثمانى لم تشهد البلاد يوما واحدا من العدل اللهم إلا فى شهور معدودات من عهد عُمر بن عبدالعزيز، ومهما ساق من اتهامات لصلاح الدين فلن ترتفع لسقف هجومه على سيف الله المسلول الذى لم يُهزم قط وهو الصحابى «خالد بن الوليد»، الذى وصفه بالوحشية فى القيادة العسكرية، وتبنى الأفكار الإرهابية..الخ.. ويحضر الآخر على شاشة التليفزيون فى البرنامج الحوارى الأشهر الشعور بالغثيان لمجرد الإشارة عن صلاح الدين، لكنه ما أن يجد المجال حتى يفتح على الرابع فى حق بطل ليسقطه من أعالى السحاب للدرمغة فى التراب!

اليوم فى محاولة بائسة وليست يائسة لتضميد بعض من جراح لم يشعر بآلامها القائد الهُمام فى حياته التى انتهت فى الخامسة والخمسين وإن بقيت تنزف بسهام لسان من لا يحتاج خلافا ليعرف بأنه مختلف عليه! أذهب للبحث عما قاله المؤرخان ابن الأثير والمقريزى الذى استشهد بهما الدكتور الذى يصيبه الغثيان فى هجومه على صلاح الدين تمهيدا لوضعه فوق المقصلة.. وجدت «ابن الأثير» – صاحب كتاب «الكامل فى التاريخ» و»أسد الغابة فى معرفة الصحابة»، و«اللباب فى تهذيب الأنساب» وأبرز المؤرخين فى بلاد الشام ومصر والمغرب والأندلس – فى انحيازه ضد صلاح الدين كان ناقما عليه لولائه للزنكيين الذين أسقط صلاح الدين ملكهم فى رحلته لتوحيد الجبهة الإسلامية، لكنه – ابن الأثير – من بعد وفاة صلاح الدين راجع نفسه وكتب سطورا منصفة – أتى ذكرها فى الموسوعات العديدة للدكتور محمد مؤنس عوض عن الأيوبى التى التزم فيها بالرجوع لعشرات المراجع والمخطوطات والمطبوعات العربية والفارسية إلى جانب المؤلفات الأجنبية بلغاتها المختلفة يقول ابن الأثير فى مراجعته التاريخية بلغة عصره: «كان صلاح الدين رحمه الله كريما حليما حسن الأخلاق، متواضعا صبورا، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يُعلمه بذلك ولا يتغير عليه. أما كرمه فإنه كان كثير البذل لا يقف فى شىء يخرجه، ويكفى دليلا على كرمه أنه لما مات لم يخلف فى خزائنه غير دينار واحد صورى، وأربعين درهما ناصرية، وأما تواضعه فإنه كان ظاهرًآ لم يتكبر على أحد من أصحابه، وكان يعيب الملوك المتكبرين بذلك، وكان يُحضر عنده الفقراء والصوفية ويعمل لهم السماع، فإذا قام أحدهم لرقص أو سماع يقوم فلا يقعد حتى يفرغ الفقير».. تلك شهادة من يستشهد به الدكتور، أما عن شاهده الآخر فلم ينصفه أيضا، بل جاءت شهادته لتُعلى من شأن صلاح الدين، فقد قال المؤرخ تقى الدين المقريزى تلميذ ابن خلدون فى عام 1441م عن صلاح الدين: «كان رحمه الله كثير التواضع، قريبا من الناس، كثير الاحتمال، شديد المداراة، مُحبا للفقراء وأهل الدين والخير مُحسنا إليهم، مائلا إلى الفضائل، متذوقًا يستحسن الشعر الجيد ويردده فى مجلسه، وقد مدحه كثير من الشعراء، وكان شديد التمسك بالشريعة، وكان كريما: أطلق من الخيل بمرج عكا لمن معه اثنى عشر ألف رأس. يسوى أثمان الخيل التى أصيبت فى الجهاد، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، وصاحبه ملازم فى طلبه. وكان ورعًا: رأى يوما العماد الكاتب يكتب من دواة محلاة بالفضة فأنكرها، وقال هذا حرام، فلم يعد يكتب منها عنده، وكان لا يصلى إلا فى جماعة، وله إمام راتب ملازم، وكان يُصلى قبيل الصبح أربع ركعات إذا استيقظ، وكان يسوى بين أكبر الناس وبين خصمه، وكان شجاعا فى الحروب، يمر فى الصفوف وليس معه سوى صبى..».. وإضافة لما جاء عن زهد صلاح الذى أشار إليه جميع المؤرخين قال «ابن كثير» فى كتابه «البداية والنهاية»: «لم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا بستانا ولا شيئا من أنواع الأملاك، وكان متقللا فى ملبسه ومأكله ومركبه، لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطى إلى مكروه، ولا سيما بعد أن من الله عليه بالملك» وفى قول المؤرخ ابن واصل عام 1291م عن الأيوبى وزهده: «عزير البذل كثير العطاء، وأقل شاهد على صحة ذلك أنه كان جامعًا بين مملكة الشام واليمن وديار مصر وبلاد المشرق، ومات وليس فى خزائنه إلا دينار، وكان خائفًا من ربه تعالى، شديد التمسك بالشريعة، مُحبًا للعلم والعلماء، ضحوكا بمهابة، مقيلا للعثرات، متجاوزا عن السيئات»..وفيما قاله المؤرخ بن الجوزى فى عام 1256م عن محاسن صلاح الدين: «مجالسه منزهة عن الهزء والهزل، ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل، وما سمعت منه قط كلمة تخدش ولا كلمة تسقط ولا لفظة تسخط، ويؤثر سماع الأحاديث بالأسانيد، ويلين للمؤمنين ويغلظ على الكافرين، ومن جالسه لا يعلم أنه جليس سلطان، بل يعتقد أنه الأخ الذى أنجبته أمه..».. وفى خضم عشرات الصفحات التى منحت صلاح الدين قديما وحديثا أوسمة النبالة والشجاعة والشرف، توقفت أمام سطور للأديب اللبنانى المعروف أمين معلوف صاحب المكانة الدولية المعروفة بالقُدرة الفذة فى المزج بين الأدب والتاريخ وانصهارهما معا فى بوتقة واحدة، وذلك عندما تعرض لصلاح الدين خلال كتابه «الحروب الصليبية كما رآها العرب» الذى قام بتأليفه بالفرنسية ليترجمه عفيف دمشقية.. كتب معلوف: «وإذا كان صلاح الدين قد فتح القدس فماذاك لأجل المال ولا حتى للانتقام. لقد سعى على الأخص كما يقول إلى القيام بما فرضه عليه ربه ودينه. وانتصاره فى أنه حرر المدينة المقدسة من نير الغزاة من غير حمام دم ولا تدمير ولا حقد، وسعادته هى أن يستطيع السجود فى هذه الأمكنة التى لولاه لما استطاع مسلم أن يصلى فيها».

ويقوم «جواهر لآل نهرو» بتدوين مؤلف لابنته أنديرا غاندى يضم فيه ملاحظاته عن أبطال العالم فى التاريخ فيقول لها عن صلاح الدين الأيوبى:» إن سلطان مصر صلاح الدين الأيوبى خلص القدس من يد الصليبيين بعد – 89 – سنة من الاحتلال وقد أثار هذا العمل الصليبيين ثانية فقاموا بحملة اشترك فيها الملوك والأباطرة الأوروبيون. غير أن النجاح لم يحالفهم لأنهم اختلفوا فيما بينهم على القيادة، إلى جانب مقاومة باسلة عسكريا ودبلوماسيا على مدى أعوام بقيادة صلاح الدين وكان بين صفوف الصليبيين ريكاردوس – ريتشارد قلب الأسد ــ ملك انجلترا المعروف بشجاعته، وكان بين صفوف المسلمين قائدهم صلاح الدين المعروف بفروسيته التى شهد له بها الصليبيون أنفسهم، ويقال إن ريكاردوس قد أعياه الجو فمرض ولزم الفراش ولما وصل الخبر إلى صلاح الدين أرسل رجاله إلى قمم الجبال ليحضروا الثلج إلى خصمه، وقد رُويت قصص أخرى من هذا القبيل».. وهنا لم يذكر نهرو من أمر صلاح الدين إرسال أحد أطبائه لعلاج ريتشارد وهو الطبيب اليهودى «موسى بن ميمون» وبسلوكه هذا يعكس الرُقى والتحضر من جانب ابن الحضارة الإسلامية، بينما كان غريمه الانجليزى نتاج أوروبا العصور الوسطى بضحالة حضارتها فى ذلك الوقت.

وعندما يزور الإمبراطور الألمانى «ولهام الثانى» دمشق فى عام 1898م يحرص على زيارة قبر صلاح الدين بها ليقول فى شهادته: «مما يزيد فى سرورى أنى موجود فى بلد عاش بها من كان أعظم رجال عصره، وفريد دهره شجاعة وبسالة، من كان قدوة للجميع، من كانت شهرته متجلية فى الآفاق ألا وهو البطل صلاح الدين الأيوبى».. ويخلد أمير الشعراء أحمد شوقى تلك الزيارة بقصيدته:

عظيم الناس من يبكى العظاما

ويندبهم ولو كانوا عظاما

فهل من مبلغ غليوم عنى

مقالا مرضيا ذاك المقاما

رعاك الله من ملك هُمام

تعهد فى الثرى ملكا هماما

أرى النسيان أظمأه فلما

وقفت بقبره كنت الغماما

أتدرى أى سلطان تجبى

وأى مملك تهدى السلاما

دعوت أجل أهل الأرض حربا

وأشرفهم إذا سكنوا سلاما

ويكتب المؤرخ الانجليزى الشهير «أدوارد جيبون» (1737 – 1794م) صاحب كتاب «اضمحلال وسقوط الامبراطوربية الرومانية» عن صلاح الدين: «كان متواضعا لا يعرف البذخ ولا يرتدى إلا عباءته المصنوعة من الصوف الخشن، ولم يعرف سوى الماء شرابا، وكان متدينا قولا وفعلا يشعر بالحزن لعدم تمكنه من أداء فريضة الحج لأنه كان منهمكا فى الدفاع عن دين الإسلام، وكان يحافظ على تأدية الصلوات الخمس فى أوقاتها فيقف فى خشوع بين رفقائه، ويؤدى الزكاة بسخاء بالغ، ومن شدة تقواه وورعه كان يقرأ القرآن الكريم وهو على صهوة جواده خلال المعارك ووسط الجيوش المتأهبة للقتال».

وإذا ما كان الدكتور المتنمر قد بالغ فى وصف وحشية صلاح الدين وسقوط مصر فى بحور الدماء فى عهده، وحصاره لنساء وأطفال المنصورة ليُبيدهم بالمئات انتقاما من الفاطميين، فبعدما قرأت وصيته لابنه الظاهر غازى الذى قام بنسخها المؤرخ ابن شداد فى كتابه «النوادر السلطانية» اعترانى الشك فى مسألة حرق بنات مدينتى المنصورة التى لم تنل اسمها إلا بانتصارها على الصليبيين، وكان أصل اسمها «مدينة الورد» وعلى أرضها تم اندثار الحملات الصليبية للأبد من بعد القضاء على جيش مكون من ثلاثين ألفا على رأسه ملك فرنسا التاسع عشر الذى اقتيد أسيرا لدار ابن لقمان.

لقد ذكر بن شداد أن صلاح الدين الفارس النبيل المغوار الذى أوصى ابنه: «أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير، وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك، وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية، والنظر فى أحوالهم فأنت أمينى وأمين الله عليهم، وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء، وأرباب الدولة، والأكابر، فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس، ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يبقى على أحد، وأحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله بتوبتك إليه فإنه كريم».

صلاح الدين أبدًا لم يكن متعطشا للدماء - كما يدعى الدكتور المهاجم المتربص - ومثالا على ذلك عندما دخل بيت المقدس فاتحا منتصرا فى يوم الجمعة 2 أكتوبر 1187م وكان يوافق ليلة الاسراء والمعراج بعدما ظلت فى الأسر الصليبى 88 عاما لم يرق قطرة دماء واحدة، فأظهر للتاريخ قدر تحضره ووحشية الصليبيين، حيث لم تكن هناك اتفاقية جنيف الرابعة فى معاملة الأسرى لكنه يومها أطلق سراح جميع الفقراء الذين كانوا أكثر من 20 ألفا ولا يستطيعون دفع الفدية، ولم يقتصر تسامحه على أعدائه الصليبيين بل امتد ليشمل اليهود وسمح لهم بالعودة إلى القدس بعدما حرم عليهم الصليبيون دخولها عندما استولوا عليها.. وليس أوقع من شهادة المؤرخ الصليبى الفارس «إرنول» المعاصر لصلاح الدين: «اجتمع كثير من النساء اللواتى دفعن الجزية وذهبن إلى السلطان يتوسلن قائلات إنهن إما زوجات أو أمهات أو بنات لبعض من أُسر أو قتل من الفرسان والجنود، ولا عائل ولا سند لهن الآن ولا مأوى، ورآهن يبكين فبكى معهن تأثرًا وشفقة، وأمر بالبحث عن الأسرى من رجالهن وأطلق سراح الذين وجدهم منهم وردهم إلى نسائهم، أما اللواتى مات أولياؤهن فقد منحن مالا كثيرا جعلن يلهجن بالثناء عليه أينما سرن، ثم سمح السلطان لهؤلاء الذين منحهم الحياة والحرية بعدما أغدق عليهم نعمه بأن يتوجهوا مع نسائهم وأولادهم إلى سائر إخوانهم اللاجئين فى مدينة صور».. وظنى أن الفارق كبير بين من بكى تأثرا لهموم زوجات أسراه مما قام به الملك ريتشارد بعد عامين من حصار عكا (1189 – 1191م) بارتكاب مذبحة فتك فيها بـ2700 أسير من الحامية المسلمة التى حوصرت فى وضح النهار ليكشف التاريخ عن الطابع الدموى فى شخصيته، وليحق القول بأنه لا صليبيات دون سفك الدماء.. ويذكر التاريخ أن إسقاط الدولة الفاطمية تم بسلاسة على نحو أشاد به ابن الأثير ليشير إلى ذلك بقوله «حدث دون أن تتناطح عنزان».... ولقد تم إعلان الخطبة للعباسيين والقضاء على الخلافة الفاطمية فى 10 سبتمبر 1171م خلال فترة الخليفة العباسى المستضئ، وقد منع صلاح الدين وصول الخبر فى مصر للعاضد وهو مريض فى قصره قائلا: «دعوه يموت فى سلام» فيرحل فى 12 سبتمبر 1171م ليمضى بن أيوب فى طريق تحويل مصر كاملة للمذهب السنى الذى كانت عليه فى السابق متبعًا سياسة الإزاحة والاحلال، فأمر فى أيامه الأولى بإلغاء أصول المذهب الشيعى فى العبادات وكانت الآذان بـ«حى على خير العمل» بدلا من «حى على الفلاح»، وأمر بالجهر بالبسملة فى الصلاة، كما أعاد صلاة الضحى والتراويح، وأتلف الكتب الشيعية، وقام بمنع صلاة الجمعة فى الأزهر وجامع الحاكم حتى أعادها الظاهر بيبرس عام 1266 من بعد انقراض المذهب الشيعى هناك، وحذف من النقش الدينى على العملة المتداولة عبارة «على ولى الله» وعلى درب هذه السياسة كان اهتمامه بالغا بالتعليم مُدركا خُطورته فى العودة لإحياء المذهب السنى وتعميق الشعور الدينى تجاه بيت المقدس مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام وأولى القبلتين، ومن هنا أقام العديد من المدارس حتى قبل إسقاط الدولة الفاطمية ومنها المدرسة الناصرية والصلاحية والسيوفية وغيرها، حتى توصف أيامه بعصر المدارس، فقد أدرك السلطان وحتى النساء خاصة خاتونات البيت الأيوبى ومدى تأثيرها على النشء الجديد وهن من الزوجات «شمسة» التى أنجب منها الأفضل وعثمان ومسعود ويعقوب، وزوجتين أخريتان تم فقط ذكر أبنائهما، ليغدو عدد الأبناء سبعة عشر ولدا وابنة واحدة «مؤنسة» إلى جانب زوجته «عصمت خاتون» أرملة نور الدين زنكى التى قام بزواجها وقد بلغت الخمسين وهو لم يزل فى شرخ الشباب، ليس إذلالا لها أو كرهًا لزوجها أستاذه الراحل أو جحودا بل حفاظا على مكانتها الرفيعة وإبقاءها سلطانة معززة مكرمة سيدة لقلعة دمشق تكمل دورها الاجتماعى النسائى فى تشييد المدارس والبيمارستات والأوقاف الخيرية ولتقيم لها تربة بجبل قاسيون... وفى مهمته لتأمين مصر ضد الحملات الصليبية قام بتشييد قلعة الجبل التى اكتمل بنائها على ثلاثة عقود، وتم فيها حفر بئر يوسف لتزويدها بالماء والذى يهبط إليه فى الصخر بـ300 درجة، وقام بتشييد أسطول قوى لمواجهة الصليبيين احتوى على أسلحة جديدة من القطع الحربية مثل سفن «الشوانى» المجهزة بـ40 قلعا، والسفن «البطس» الضخمة التى بها 140 قلعا لكل واحدة وتحتوى على عدة طوابق، والطرادات المعدة لحمل الفرسان والخيول، وأقام السلطان سورا دفاعيا حول القاهرة ضم مدينتى القطائع والعسكر امتداده بطول 9300 ذراعا، واهتم بالمدن الساحلية توقعا لغدر الصليبيين، فأقام سورا للاسكندرية وألقى بـ400 عامود تعود إلى العصر الرومانى على شواطئها لإعاقة تقدم الأعادى، وبلغ طول السور الوقائى حول دمياط 4630 ذراعا ليبلغ ما أنفقه على الأسوار فقط مليونا من الدنانير، وعلى الجانب الآخر قام بتقوية قلعة «تنيس» الواقعة على بحيرة المنزلة مع إقامة سور لها أشرف شخصيا على بنائه، واتجه لشبه جزيرة سيناء لتقوية دفاعاتها بإقامة العديد من القلاع وصهاريج المياه بها لإدراكه بأنها بوابة مصر الشرقية التى يبدأ منها أى غزو عدائى للبلاد.

وإذا ما كان البحر الأحمر بأحداثه العالمية الآن موقعا لصدارة الاهتمام وانعكاسا لكلمة «عاجل»: حوثيا وحصارا ولغما وتهديدا وتأجيلا وغلقا وفتحا ومواربة، وشواطئا لمشروعات عملاقة لمدن جديدة تأجل بعضها ولم يلغ مثل مدينة «نيوم» السعودية التى يبلغ حجم استثماراتها تريليون دولار، ومدينة «شارم باى» لعبقرى المشروعات طلعت مصطفى فى شرم الشيخ على مساحة 288 فدانا، ومشروع «مراسى» الذى بلغت ميزانيته 900 مليار الخ، فقد انتبه صلاح الدين الأيوبى لسطوة هذا البحر منذ أكثر من عشرة قرون أثناء حروب الاستنزاف الطويلة مع الصليبين قبل تتويج القتال بنصر معركة حطين، حيث أرسل حملة إلى اليمن لإخضاعه على رأسها شقيقه «طغتكين» آخذا فى حساباته الحربية اتخاذه لليمن مركزا لإقامته ونضاله المتمكن لطبيعتها الجبلية الحامية للمقاومة، وذلك فى حال انقلاب نورالدين محمود عليه، كذلك كانت لديه رغبة قوية فى السيطرة على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر الذى يُمثل طريقا حيويا للتجارة الدولية، وقد أدرك صلاح الدين مبكرا أن حصار مملكة بيت المقدس جنوبا يبدأ من البحر الأحمر، ومن هنا اتجه إلى اخضاع «أيلة» (العقبة) وبالتالى استطاع أن يحاصر الكيان الصليبى من الجنوب ولم يعد لتلك المملكة إلا الحدود الشماية والشرقية فقط، وقد بدأت إرهاصة الانتباه الجدى للأحمر عندما قام الفارس الفرنسى «رينو دى شايتون» الشهير باسم أرناط ببناء أسطول من المراكب ذات الحجم المتوسط عند البحر الميت ليتم نقلها عن طريق الجِمال إلى خليج العقبة عبر طريق صحراوى طوله 125 ميلا ليعاد تركيبها وتجهيزها بالجنود الصليبيين والمؤن والإمدادات لتسير فى عجلة فى البحر الأحمر، بعضها متجها إلى جزيرة «فرعون» المتحكمة فى مدخل خليج العقبة ليتم محاصرة قلعتها هناك، والآخر لمهاجمة الميناء المصرى «عيذاب» الواقع إلى جنوب شرقها على البحر الأحمر، وهو ميناء الحج الرئيسى للحجاز حيث يصبحون على مسيرة يسيرة من المدينة المنورة.. ويأتى الرد السريع من صلاح الدين بتحريك الأسطول – الذى تم تكوينه وتدعيمه قبلها بأعوام – من بعد نقل مراكبه إلى خليج السويس لتنقسم القوات الأيوبية بعدها إلى قسمين، الأول لتحرير جزيرة فرعون، والثانى إلى «عيذاب» ومنها للحجاز لمهاجمة القوات الصليبية، حيث لاذ إرناط بالفرار ليبلغ عدد الأسرى 170 رجلا، وكان الهدف الشيطانى فى خطة إرناط مهاجمة المدينة المنورة ونقل رفات النبى عليه الصلاة والسلام إلى «الكرك» من أجل تحويل طريق الحج لدى المسلمين إلى هناك، وبالتالى تحقيق مكاسب مالية طائلة وكان ذلك فى عام 1182م وكان قسم صلاح الدين أن يقتل إرناط بيديه فى حال النصر، وهو ما قام بتنفيذه على أرض واقع يوم 4 يوليو 1187م أى يوم معركة حطين الحاسمة.

صلاح الدين الأيوبى السلطان الأعرج الذى أصيب فى ساقه مبكرا على أرض المعارك ليترك الجرح آثاره الواضحة على خُطى البطل الذى يعد الواجهة المثلى للقول «كل ذى عاهة جبار».. صلاح الدين فى دخوله للمسجد الأقصى أمر بصنع منبر دمشقى باهر ليأخذه معه فى توجهه لفتح القدس، حيث قام بغسل قبة الصخرة بماء الورد مزيلا جميع الصلبان والإضافات المعمارية التى أحدثها فرسان «الداوية» المعروفين باسم «فرسان المعبد»الذين حولوا قبة الصخرة إلى كنيسة أطلقوا عليها اسم معبد السيد Templum Domini وقد لعبوا دورا بارزا فى الحروب الصليبية، وكان منهم «روبرت أوف سانت البانوس» Robert of st.Albanus الذى أشهر إسلامه وحارب فى جيوش المسلمين ليتزوج من حفيدة صلاح الدين فى عام 1185م وليس وحده من اعتنق الإسلام تأثرا بشخصية القائد الجاذبة التى انعكست بإشعاعاتها البراقة على أعدائه الصليبيين حتى الوقوع فى دائرة تمجيده، فمن قبل معركة حطين عام 1187م أشهر ستة من الجنود الصليبيين إسلامهم، وفى ذلك دليل على أن الانتصار فى التاريخ ليس بالضرورة انتصارا عسكريا بل على المستوى الأخلاقى فى البداية، بما يدحض مقولة أنه «لا أخلاق فى السياسة».

صلاح الدين وضعه «دانتى» فى «الكوميديا الإلهية» فى مصاف الأبطال الأطهار، ويؤلف عنه الكاتب الألمانى الشهير «لسينج» Lessing مسرحية بعنوان «الحكيم» نموذجا للمسلم المثالى صاحب الأخلاق، ويؤلف «سيبر والتر سكوت» قصته الشهيرة «الطلسم» ليظهر فيها صلاح الدين شخصا نبيلا، بينما يصور ريتشارد غليظ الطباع سريع الغضب، وفى القرن الثالث عشر الميلادى تنتشر فى فرنسا قصيدة من سبعة آلاف مقطع بطلها صلاح الدين، وتنعكس صورة الأيوبى على الأدب الألمانى لتتداول حوله 100 قصة على منوال ألف ليلة وليلة، وتسمى العديد من الأسر النبيلة الفرنسية نفسها باسم صلاح الدين saladin فى النصف الأول من القرن التاسع عشر ومنهم «المركيز رالف مونتمو ريلو» الذى أصبح Raulph Saladin.. وفى القدس يذهب القائد الأيوبى المنتصر عبر أيام حافلة بالنصر إلى مسجد متواضع يدعى خانقاه ليقيم على أطرافه فى غرفة متواضعة، حيث يذكر المؤرخ الهندى «مبشر جاويد أكبر» أنه قد وجد على حائطها كلمات قرآنية تقول: «الأقصى الذى باركنا حوله».. ويرحل الفارس الحاضر بتاريخه النابض بالحياة.

البطل الذى أجمع عليه الشرق والغرب بعد أن أعاد لنا الفلاح والبسملة وصلاة الضحى وتراويح رمضان والجهر بحب آل البيت.. القائد السلطان فارس الحروب الصليبية من دان له المشرق بقصور الشام وجبال اليمن وأسوار القلاع المشيدة.. أتاه الموت على جناح بعوضة لترجفه الملاريا لأيام معدودات فيرحل عاطر الذكر عبر القرون فى 4 مارس 1193م وليس فى حوزته سوى أربعين درهمًا صدئة.. رحل من غسل بماء الورد قبة الصخرة ومصلى الأنبياء من تحتها.. رحل من طَهر مربط البراق للسماوات العلا للوصول إلى سِدرة المنتهى مكانا لم يصل إليه ملك مقرب ولا نبى كريم «ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» صدق الله العظيم.

التعليقات