يحتدم اليوم نقاش مهم حول مسودة قانون الأسرة الجديد وهو أمر مفهوم لأن القانون يمس الأمن القومي الاجتماعي، بخاصة أنه النقاش شهد مقترحات غريبة مثل ما أطلق عليه "زواج التجربة" وما اعتبره البعض "توسعا في الخلع" هو أمر لايخالف فقط ما استقرت عليه الشرعية وإنما يتعارض مع مؤشرات ديموغرافية وظروف اقتصادية أسفرت عن ارتفاع نسبة الطلاق وتأخر سن الزواج.
هذه الأبعاد التي تكاد يكون غائبا عن النقاش، تتطلب رؤية أوسع لمناقشة نصوص القانون، بخاصة وأن الأزمة الحقيقية في هذا السجال لا تمكن في هذه النصوص بقدر ما تتعلق بالمقترحات التي طرحت بشأنها وأسلوب الحوار حولها، حيث تحول النقاش في بعض المنصات الإعلامية والرقمية إلى "صراع بين الرجال والنساء"، مما أخرجه عن سياقه الطبيعي الى مسار آخر ينطلق من القيم الغربية التي تعتبر الفرد هو النواة الأولى للمجتمع، في حين أن الأسرة هي النواه الأولى للمجتمع في القيم الحضارية الإسلامية. فالأسرة كما وصفها القرآن الكريم آية من آيات الله وليست شركة تجارية كل طرف فيها يدافع عن أسهمه!
إن التوصل إلى صياغة قانون متوازن يحافظ على ثوابت الشريعة الإسلامية ويواكب مستجدات العصر يتطلب الانتقال فوراً إلى حوار مجتمعي يبنى على محددات موضوعية، من أبرزها: أولاً: عدم إغفال الواقع الديموغرافي: بلغ عدد حالات الطلاق خلال العام 2024 بمصر273,892 حالة طلاق، بمعدل حالة طلاق كل دقيقتين، وفي الوقت نفسه فإن الارتفاع الجنوني في تكاليف الزواج، جعل ملايين الشباب والفتيات خارج إطار الزواج، وإذا كان القانون سيقنن أعباءً مالية جديدة تعوق الزواج، أو يخلق بيئة تقاضٍ مرعبة تطرد الشباب من فكرة الاستقرار الأسري، فإنه بذلك يفشل في تحقيق مقصده الاجتماعي.
ثانياً:اعتماد صيغة المسارات المتكاملة لإدارة الحوار الوطني، وهنا يمكن اقتراح 3
مسارات متكاملة:
- تفكيك احتكار الرؤية الأحادية: يجب ألا يُترك قانون الأسرة للقانونيين أو الفقهاء فقط، وإنما ينبغي إضافة 3 تخصصات أخرى لمائدة الحوار،هم: علماء الاجتماع لدراسة دوافع الطلاق والتهرب من المسؤولية. وعلماء النفس لتقدير الأثر النفسي لنصوص (مثل الرؤية والاستضافة) على تكوين الطفل. وخبراء الاقتصاد لتقييم القدرة المالية للمواطن، وقياس أثر الرسوم المضافة.
- يجب إدارة الحوار مع المؤسسة الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، بمنطق "التكامل المقاصدي"، صحيح انه لا يملك أحد، القفز فوق قطيعات الشريعة ولكن صحيح أيضا أن هناك مساحات واسعة تتسع للاجتهاد المعاصر بناءً على "المصالح المرسلة" وتغير الزمان، مثل: تقنين إجراءات التوثيق، ووضع عقوبات تعزيرية على المخالفين لشروط العقد.
- تجنب "الاستقطاب الإعلامي" الذي حول القضية الى صراع بين طرفين، فالأمر يتطلب صياغة حوار مؤسسي مغلق داخل أروقة مجلس النواب والمجالس القومية المتخصصة، يخرج للرأي العام في صورة "مسودات مفسرة ومبسطة" تشرح فلسفة المواد وسندها الشرعي والاجتماعي، لقطع الطريق على الإشاعات.
ثالثاً: التوازن، إن فض الاشتباك في النقاط الخلافية (مثل الطلاق الشفهي، الاستضافة، الولاية التعليمية) يتطلب صياغة معادلة توازن تقوم على مبدأ المسؤولية التشاركية: مثلا في توثيق الطلاق: يكون التوازن بتغليظ عقوبة عدم التوثيق الفوري قانونياً، بدون إقحام القضاء في معارك فقهية حول بطلان العقد من عدمه.وفي الحضانة ينبغي الانتقال من فلسفة "امتلاك الطفل" إلى فلسفة "الرعاية المشتركة"، فالحوار يجب أن يفضي إلى "منظومة استضافة آمنة" بضمانات قانونية تمنع خطف الصغار، وتدعم حق الطفل النفسي في العيش بين أبوين حتى بعد الانفصال..وإذا كان النص الفقهي القديم يؤجل الاستضافة خوفاً على المحضون، فإن آليات العصر الحديث (مثل التتبع الرقمي) تحقق نفس المقصد الشرعي (الحفاظ على الطفل) بدون حرمان الأب. وفي مسألة "الكد والسعاية "، بدلاً من فرض نصوص غريبة على الثقافة الإسلامية تفرض اقتسام الثروة قسراً، يمكن وضع هذا المطلب عبر "ملحق اختياري" لعقد الزواج، يوثق فيه كل طرف مساهمته المادية، مما يحفظ الحقوق بالعدل والقانون، ودون اللجوء لخصومة قضائية طويلة.
إن احترام المرجعية الشرعية للأزهر الشريف، والانفتاح على آليات العصر، هي الأدوات الوحيدة التي ستخرجنا من نفق الاستقطاب، لنصل إلى قانون تتجسد فيه الآية الكريمة: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
التعليقات