في يوم المرأة الإماراتية.. كيف تبوأت النساء أعلى المناصب في الدولة؟

تبدأ دولة الإمارات اليوم الجمعة، الموافق 28 أغسطس، الاحتفال بـ"يوم المرأة الإماراتية" على مدار شهرا كاملا، ونستعرض في التقرير التالي إنجازات جعلت المرأة الإماراتية في صدارة المشهد المؤثر في الدولة، تتويجاً لمسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، أوصلتها إلى مواقع صنع القرار والقيادة.

بدأت إنجازات المرأة بتأسيس مؤسسات العمل النسائي، ومرت بتطوير منظومة تشريعية داعمة وتوسيع فرص التعليم والعمل، وصولاً إلى حضور النساء اليوم في البرلمان والحكومة والاقتصاد والدبلوماسية والعلوم والفضاء وقطاعات المستقبل.

ويأتي شعار الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية هذا العام تحت شعار "بنظهر الأقوى والأفضل"، فيما يمتد الاحتفاء بالمناسبة هذا العام على مدار شهر كامل، من 28 أغسطس إلى 28 سبتمبر، عبر مبادرات وفعاليات تسلط الضوء على إنجازات المرأة والنماذج الإماراتية الملهمة.

من العمل النسائي إلى التمكين المؤسسي

تعود البدايات المبكرة للعمل النسائي المنظم في الإمارات إلى عام 1973، مع تأسيس جمعية نهضة المرأة الظبيانية، أول جمعية نسائية في الدولة، قبل أن تتوالى الجمعيات النسائية في مختلف الإمارات، وصولاً إلى تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975، ليشكل مظلة وطنية للعمل النسائي ومنطلقاً لمرحلة جديدة من تمكين المرأة.

وتحتل سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك "أم الإمارات"، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، مكانة محورية في هذه المسيرة، إذ أسهمت جهود سموها على مدى عقود في ترسيخ العمل النسائي المؤسسي، وتوسيع فرص المرأة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم العربية والإسلامية.

ومع تطور الدولة، انتقل دعم المرأة من المبادرات الاجتماعية والمؤسسية إلى منظومة متكاملة من التشريعات والسياسات العامة، رسخت تكافؤ الفرص وعززت حقوق النساء في التعليم والعمل والخدمات والمشاركة العامة.

وكفل دستور دولة الإمارات المساواة أمام القانون، فيما توالت التشريعات المنظمة للعمل لتدعم مبدأ المساواة في الأجر؛ إذ نصت التشريعات الاتحادية على حصول المرأة على أجر مماثل لأجر الرجل عند أداء العمل ذاته أو عمل آخر ذي قيمة متساوية.

وعززت "السياسة الوطنية لتمكين المرأة 2023–2031" هذا المسار، لتصبح مشاركة المرأة جزءاً من السياسات الوطنية المرتبطة بالتنمية المستدامة وجودة الحياة وصناعة المستقبل.

نصف البرلمان و63% من المناصب القيادية

تظهر نتائج هذه المسيرة بوضوح في مواقع صنع القرار؛ إذ تشغل النساء 50% من مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، بواقع 20 مقعداً من أصل 40، في واحدة من أعلى نسب التمثيل البرلماني للمرأة عالمياً.

وامتد حضور المرأة إلى السلطة التنفيذية، إذ تتولى إماراتيات حقائب وزارية وملفات حيوية في الحكومة، فيما تشغل النساء نحو 63% من المناصب القيادية في القطاع الحكومي.

ولا يقتصر حضور المرأة على العمل الحكومي الداخلي؛ فقد توسعت مشاركتها في السلك الدبلوماسي، كما أصبحت الإماراتيات حاضرات في قطاعات كانت المشاركة النسائية فيها محدودة قبل عقود، من القضاء والدبلوماسية إلى العلوم المتقدمة والتكنولوجيا والفضاء.

وانعكس ذلك على المؤشرات الدولية؛ إذ جاءت الإمارات في المركز الأول إقليمياً في تقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، كما حلت ثانية عالمياً في مؤشر تمثيل المرأة في البرلمان وفق تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية في لوزان.

المرأة الإماراتية شريك في الاقتصاد

وبالتوازي مع تقدمها في مواقع صنع القرار، اتسع حضور المرأة الإماراتية في سوق العمل والقطاع الخاص وريادة الأعمال.

وتشير أحدث المؤشرات إلى ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل بنسبة 101.92% خلال الفترة من 2021 إلى 2025، فيما شكلت النساء 74% من إجمالي المستفيدين من برنامج "نافس"، في مؤشر على تنامي حضور المواطنات في القطاع الخاص.

وفي ريادة الأعمال، تضم الإمارات أكثر من 25 ألف سيدة أعمال إماراتية يمتلكن أكثر من 50 ألف رخصة تجارية، بإجمالي استثمارات يتجاوز 60 مليار درهم، وفق بيانات عام 2025.

وتعكس هذه الأرقام تحول مشاركة المرأة الاقتصادية من الوجود في سوق العمل فحسب إلى تأسيس الشركات وقيادة المشروعات وإدارة الاستثمارات وصناعة فرص العمل، بالتزامن مع برامج وطنية تستهدف زيادة مشاركة المواطنات في القطاعات الاقتصادية الجديدة.

من الجامعات إلى الفضاء

ولعب التعليم دوراً أساسياً في وصول الإماراتيات إلى هذه المواقع، إذ تمثل النساء نحو 70% من خريجي الجامعات في الدولة، كما يشكلن أكثر من 46% من خريجي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات "STEM".

وفتحت هذه القاعدة التعليمية الطريق أمام جيل جديد من الإماراتيات للعمل في قطاعات متقدمة، تشمل الذكاء الاصطناعي والبرمجة والطاقة المتجددة والطاقة النووية والهندسة والأمن السيبراني وعلوم الفضاء.

ويعد قطاع الفضاء واحداً من أبرز النماذج على هذا التحول؛ إذ تشكل النساء نحو 50% من العاملين في القطاع الفضائي الإماراتي، فيما كان للكوادر النسائية حضور بارز في مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ "مسبار الأمل"، الذي أصبح أحد أبرز المشروعات العلمية في تاريخ الدولة.

وتواصل الإمارات البناء على نجاح "مسبار الأمل"، الذي مُددت مهمته حتى عام 2028، بالتوازي مع تطوير مشروعات فضائية جديدة، ما يفتح مسارات إضافية أمام الكفاءات الوطنية، ومن بينها النساء، للمشاركة في العلوم والهندسة والبحث والتطوير.

الذكاء الاصطناعي وقطاعات المستقبل

ومع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي، اتجهت سياسات تمكين المرأة إلى مجالات تتجاوز الوظائف التقليدية، لتشمل المهارات التي يتوقع أن تحدد شكل سوق العمل خلال العقود المقبلة.

وتشمل المبادرات برامج لتطوير مهارات النساء في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبرمجة والحوسبة السحابية، من بينها "AI-Forward" وبرنامج "سيدتي"، إلى جانب مبادرات مرتبطة بالبرنامج الوطني للمبرمجين، الذي يستهدف تدريب 100 ألف مبرمج.

وفي الأمن السيبراني، جاءت مبادرة "النبض السيبراني للمرأة والأسرة" لتعزيز الوعي والمهارات الرقمية، فيما امتدت برامج التمكين إلى الأمن الغذائي والزراعة من خلال مبادرات تستهدف دعم النساء المزارعات، بالتوازي مع برامج لريادة الأعمال والابتكار والتكنولوجيا.

ويعكس هذا التوجه تحول مفهوم التمكين من زيادة نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى إعدادها للمهن والقطاعات التي ستقود اقتصاد المستقبل.

"أم الإمارات 50:50".. رؤية تمتد إلى 2075

وفي يوم المرأة الإماراتية عام 2025، أطلقت الدولة "رؤية أم الإمارات 50:50"، لتضع إطاراً طويل المدى لمسيرة تمكين المرأة خلال الخمسين عاماً المقبلة، وصولاً إلى عام 2075.

وترتكز الرؤية على ثلاثة محاور رئيسية هي الأسرة والهوية الوطنية، والحوكمة والإستراتيجيات، والشراكات الدولية التنموية، وتهدف إلى ترسيخ مكانة الإمارات بين أفضل دول العالم في جودة حياة المرأة وتمكينها، وجعلها نموذجاً عالمياً في القطاعات المستقبلية.

وتضع الرؤية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمناخ والطاقة وعلوم المستقبل في صميم المرحلة المقبلة، إلى جانب تعزيز تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والاقتصاد، ودعم التوازن بين الدور المهني للمرأة ومسؤولياتها الأسرية، وتشجيع الإماراتيات على تولي المزيد من المناصب القيادية ومواقع صنع القرار.

استراتيجية جديدة لما بعد 2026

ولا تتعامل الإمارات مع ما تحقق باعتباره نهاية لمسيرة التمكين؛ إذ بدأ مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين العمل على إعداد إستراتيجية دولة الإمارات للتوازن بين الجنسين 2027–2031.

وأطلق المجلس في أغسطس 2026 "الاستطلاع الوطني للتوازن بين الجنسين"، لتوسيع المشاركة المجتمعية في تحديد أولويات المرحلة المقبلة، والاستناد إلى البيانات والتجارب الواقعية في صياغة السياسات الجديدة.

وتركز الإستراتيجية المرتقبة على التحولات التي ستؤثر في المجتمع وسوق العمل خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الجديد والمهارات المستقبلية والتطور المهني والأمن المالي والرعاية الاجتماعية وجودة الحياة.

ويأتي ذلك بعد حوار وطني شارك فيه أكثر من 100 ممثل عن الجهات الحكومية والقطاع الخاص، لمناقشة ملفات تشمل التعليم والمهارات والمسارات المهنية والقيادة وثقافة العمل وريادة الأعمال والشمول المالي والاقتصاد المستقبلي والذكاء الاصطناعي.

تجربة تتجاوز حدود الإمارات

ولم تبق تجربة تمكين المرأة محصورة داخل الدولة؛ إذ نقلت الإمارات جانباً من خبراتها ومبادراتها إلى المستويين العربي والدولي.

ومن أبرز هذه الجهود "مبادرة الشيخة فاطمة بنت مبارك لتمكين المرأة في السلام والأمن"، التي تستهدف تعزيز مشاركة النساء في مجالات السلام والأمن ونشر ثقافة الحوار والاستقرار، واستفادت منها مئات النساء.

كما دعمت الإمارات "المرصد العربي لتنمية المرأة اقتصادياً"، بوصفه منصة لتنسيق الجهود العربية الرامية إلى تعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة وتوسيع الشراكات بين رائدات الأعمال.

وامتدت المبادرات إلى القارة الأفريقية من خلال برامج تستهدف تمكين المرأة الريفية والزراعية، فضلاً عن التعاون في مجال الابتكار الرقمي والبرمجة والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بما يساعد النساء على الوصول إلى فرص الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال.

وفي الوقت نفسه، تواصل الإمارات عرض تجربتها في المحافل الدولية، والمشاركة في النقاشات المتعلقة بالمرأة والقيادة وريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والعمل المناخي والسلام والأمن.

أكثر من نصف قرن من التحول

وبعد أكثر من خمسة عقود على انطلاق العمل النسائي المؤسسي، تكشف مسيرة المرأة الإماراتية عن تحول كبير؛ فمن أول جمعية نسائية عام 1973، إلى اتحاد نسائي عام 1975، ثم منظومة تشريعية وسياسات وطنية متعاقبة، وصولاً إلى شغل نصف مقاعد المجلس الوطني الاتحادي ونحو 63% من المناصب القيادية الحكومية، وحضور واسع في الأعمال والعلوم والتكنولوجيا والفضاء.

وهكذا، لم يعد السؤال حول قدرة المرأة الإماراتية على الوصول إلى أعلى المناصب، بقدر ما أصبح متعلقاً بالمساحات الجديدة التي ستقودها في المستقبل؛ إذ تتجه الدولة إلى مرحلة تركز على الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والعلوم المتقدمة والطاقة والاستدامة، ضمن رؤية تمتد لعقود مقبلة.

وتختصر هذه المسيرة فلسفة التجربة الإماراتية في تمكين المرأة؛ فالتقدم لم يقم على الوصول إلى منصب بعينه، وإنما على بناء منظومة تبدأ بالتعليم والتشريع وتكافؤ الفرص، وتمر بالعمل والاقتصاد وصنع القرار، وتنتهي بفتح الطريق أمام أجيال جديدة من الإماراتيات للمشاركة في صناعة مستقبل الدولة.

التعليقات