في إحدى قاعات العرض، ينتهي فريق بحثي من تقديم ابتكار جديد. النتائج مشجعة، والتجربة ناجحة، والحاضرون يصفقون. تُلتقط الصور، ويُعلن أن المشروع يحمل فرصة واعدة للمستقبل.
بعد عام، تبقى الصور… لكن المنتج لم يصل إلى السوق.
ماذا حدث؟ هل كانت الفكرة ضعيفة؟ أم أن المسافة بين نجاح التجربة ونجاح التطبيق أطول مما توقع أصحابها؟
الحقيقة أن الفكرة قد تنجح داخل المختبر، ثم تتعثر عندما تواجه الحياة خارجَه. هناك تظهر أسئلة مختلفة: من يحتاج إليها؟ هل يستطيع استخدامها؟ كم ستكلف؟ ومن سيتولى إنتاجها وتقديمها ومتابعتها؟
في المقال السابق، سألنا: «هل يستمر النجاح بعد رحيل المدير؟»، وناقشنا كيف تدعم الحوكمة استمرارية المؤسسة. واليوم ننتقل إلى سؤال يكمل الرحلة: كيف تصنع المؤسسة نجاحها القادم؟
البحث والتطوير: ماذا تعني الكلمتان؟
قد يبدو مصطلح البحث والتطوير R&D مرتبطًا بمعامل ضخمة وعلماء يرتدون المعاطف البيضاء. لكن مجالاته أوسع؛ فقد يشمل تطوير مادة صناعية، أو تقنية زراعية، أو طريقة جديدة لمعالجة المياه.
وبلغة بسيطة، هو عمل إبداعي ومنظّم يهدف إلى زيادة المعرفة واستخدامها للوصول إلى تطبيقات جديدة. ويشمل البحث الأساسي لفهم الظواهر، والبحث التطبيقي لحل مشكلة محددة، والتطوير التجريبي لبناء منتجات أو عمليات جديدة أو تحسينها.
لكن ليس كل تعديل على منتج بحثًا وتطويرًا. فتغيير لون العبوة أو إضافة ميزة معتادة لا يكفي وحده؛ إذ يتطلب البحث والتطوير عنصرًا من الجِدّة، وعملًا منهجيًا، وعدم يقين بشأن النتيجة.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن التعامل مع البحث وكأنه طلب شراء نعرف مسبقًا موعد وصوله وشكله النهائي.
أول نقطة تعثّر: حلّ يبحث عن مشكلة
تخيّل فريقًا طوّر جهازًا متقدمًا لمراقبة استهلاك المياه في المزارع. يستطيع الجهاز تقديم بيانات دقيقة، لكنه يحتاج إلى اتصال دائم بالإنترنت، وصيانة متخصصة، وتكلفة مرتفعة.
في التجربة يعمل بكفاءة. أما المزارع المستهدف، فقد يعمل في منطقة ضعيفة الاتصال، ويحتاج إلى جهاز أبسط يمكن إصلاحه محليًا.
هنا لا تكمن المشكلة بالضرورة في جودة التقنية، بل في مدى ملاءمتها لظروف الاستخدام.
لهذا، في المشروعات التي تستهدف التطبيق التجاري، ينبغي إشراك المستخدم مبكرًا: كيف يعمل؟ ما المشكلة التي تؤلمه فعلًا؟ كيف يتعامل معها الآن؟ وما الذي قد يدفعه إلى تجربة حل جديد؟
ولا يعني ذلك أن كل بحث علمي يجب أن يبدأ بطلب من عميل؛ فالبحث الأساسي له قيمته حتى عندما لا تظهر تطبيقاته فورًا. لكن عندما نقرر تحويل المعرفة إلى منتج، يصبح فهم المستخدم جزءًا أساسيًا من الرحلة.
ثاني نقطة تعثّر: نجاح التجربة لا يعني جاهزية المنتج
هناك فرق بين نموذج يعمل مرة تحت إشراف الباحث، ومنتج يعمل بصورة موثوقة كل يوم لدى المستخدم.
هل يتحمل الحرارة والغبار؟ هل يمكن إنتاج ألف وحدة بالجودة نفسها؟ هل تتوافر مكوناته؟ وهل يستطيع المستخدم تشغيله دون مساعدة مستمرة؟
تستخدم «ناسا» مستويات الجاهزية التقنية Technology Readiness Levels — TRLs لتقييم نضج التكنولوجيا، من مراحلها المبكرة إلى مستويات أكثر تقدمًا من الاختبار والتطبيق. وهي تساعد على توضيح موقع التقنية في رحلة التطوير.
لكن الجاهزية التقنية وحدها لا تجيب عن سؤال الجدوى التجارية. فقد يعمل المنتج بكفاءة، بينما تكون تكلفته أعلى مما يقبله السوق.
أن يعمل الحل خطوة مهمة؛ وأن يستطيع الناس اقتناءه واستخدامه باستمرار خطوة أخرى.
ثالث نقطة تعثّر: كل فريق يتحدث لغة مختلفة
الباحث يسأل: هل النتيجة صحيحة؟
مسؤول الإنتاج يسأل: هل يمكن تصنيعها بجودة ثابتة؟
مسؤول المالية يسأل: ما التكلفة والعائد المحتمل؟
ومسؤول التسويق يسأل: لماذا سيختارها العميل؟
كل سؤال ضروري. لكن إذا التقت هذه الفرق بعد انتهاء التطوير، فقد تكتشف المؤسسة متأخرة أن المنتج يحتاج إلى إعادة تصميم، أو أن سعره غير مناسب، أو أن استخدامه معقد.
لذلك، من المفيد أن تضم رحلة التطوير أصواتًا متعددة منذ المراحل المناسبة: البحث، والإنتاج، والمالية، والتسويق، والمستخدمين، مع الاستعانة بالخبرات القانونية والتنظيمية بحسب طبيعة المشروع.
فالمطلوب أن تتلاقى المعرفة العلمية مع واقع التطبيق قبل أن تصبح التعديلات باهظة التكلفة.
كيف نعبر المسافة؟ بتجارب صغيرة وأسئلة واضحة
لنعد إلى جهاز مراقبة المياه. بدلًا من الانتقال مباشرة إلى الإنتاج الواسع، يمكن تجربة نموذج أولي
Prototype في عدد محدود من المزارع، وفق معايير نجاح معلنة.
هل يقدم بيانات موثوقة؟ هل يسهل استخدامه؟ هل يساعد المستخدم على اتخاذ قرار أفضل؟ وما تكلفة تشغيله وصيانته؟
قد تكشف التجربة أن الجهاز يحتاج إلى العمل دون اتصال دائم، أو أن المستخدم يفضل تنبيهًا بسيطًا بدلًا من شاشة مليئة بالأرقام.
هذه الملاحظات تمنح الفريق فرصة لتحسين الحل قبل التوسع.
وعند كل مرحلة، ينبغي اتخاذ قرار على أساس الأدلة: نستمر، أم نعدّل، أم نتوقف؟ فالتوقف عن مسار لم يعد واعدًا قد يحمي الموارد ويوجّهها إلى فرصة أفضل.
الحوكمة تمنح الابتكار طريقًا واضحًا
هنا تتصل الحوكمة بالبحث والتطوير.
من يعتمد ميزانية التجربة؟ من يملك نتائج البحث؟ كيف تُنظَّم الشراكة بين الجامعة والشركة؟ وما الأدلة المطلوبة للانتقال إلى مرحلة أكبر؟
وضوح هذه المسؤوليات يساعد على منع تعطل المشروع بين الإدارات، أو استمرار الإنفاق دون مراجعة، أو نشوء خلاف حول حقوق الملكية الفكرية Intellectual Property.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الفرق إلى مساحة لتجارب محسوبة قد لا تنجح. فالتجربة المنضبطة التي تنتج معرفة مفيدة تختلف عن تكرار الخطأ دون توثيق أو تعلّم.
من المعرفة إلى أثر يراه الناس
بالنسبة للمشروعات التي تستهدف التطبيق، ينبغي أن ننظر إلى ما بعد عدد الأبحاث وبراءات الاختراع: هل استُخدم الحل؟ هل حسّن الجودة؟ هل خفّض الهدر؟ هل جعل خدمة مهمة أكثر سهولة؟
أما البحث الأساسي، فتُقدَّر قيمته أيضًا بما يضيفه إلى المعرفة وما يفتحه من مسارات للمستقبل، حتى عندما يتأخر أثره التجاري.
وتستطيع الشراكات بين الجامعات ومراكز البحث والشركات أن تقرّب هذه المسافة، عندما تجمع سؤالًا واقعيًا بخبرة علمية، وتمويل مناسب، ومسؤولية واضحة عن التطبيق.
فالفكرة الواعدة تحتاج إلى من يختبرها، ويطوّرها، ويحملها إلى المكان الذي تصنع فيه فرقًا.
لكن عندما تظهر أمام المؤسسة عدة أفكار وأسواق وشراكات، يبرز سؤال جديد: أي فرصة تستحق أن نبدأ بها؟
هنا يأتي دور تطوير الأعمال Business Development؛ في تقييم الفرص، وبناء الشراكات، واختيار مسار النمو الذي يناسب قدرات المؤسسة واحتياجات السوق.
انتظروني في المقال القادم: «تطوير الأعمال: كيف نختار فرصة النمو التالية؟» لنناقش كيف نفرّق بين فرصة تبدو جذابة، وفرصة تستحق الاستثمار.
فالمسافة بين المختبر والسوق لا تعبرها الفكرة وحدها؛ تعبرها مؤسسة تعرف كيف تحوّل المعرفة إلى قيمة.
استشاري الإدارة الاستراتيجية وتطوير المؤسسات
التعليقات