من مفارقات العصر الرقمي أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتقارب الإنساني إلى ساحات للتباعد والتشرذم وخلفية تُدار فيها معارك وهمية تستهدف أثمن ما يملكه المجتمع المصري: نسيجه الوطني. فيتسلل الخطر ليس من الحدود وإنما من العمق عبر «تغريدة» أو «منشور» خبيث قادر على إشعال نار الفتنة لتمزيق النسيج الوطني.
تناولنا جانبا من هذه القضية في المقال السابق واليوم نستكمل مناقشتها..هذا التحول لدور المنصات، هو نتاج عمل دءوب لعدة أطراف تتقاطع مصالحها عند نقطة ضرب الاستقرار المجتمعي، أولها الكتائب الإلكترونية المعادية (وفي مقدمتها الوحدة 8200 الإسرائيلية)حيث تستخدم حسابات وهمية لالتقاط أي حادث فردي وتضخيمه، بهدف إيجاد حالة من الفوضى وانعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. ثانيها: المتطرفون من الجانبين الذين يستغلون هذه الحوادث لحشد الأتباع وتأكيد سردياتهم المريضة حول «الآخر الذي يتربص بهم»! ومعظمهم خارج الوطن، وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من المصريين بالخارج وطنيون، إلا أن هناك أصواتا متطرفة تتلقف هذه الحوادث العابرة، وتعيد تدويرها عالميا بتهويل شديد لتصدير صورة مغلوطة عن اضطهاد مصطنع، لخدمة أجندات سياسية وشخصية ضيقة لا علاقة لها بصالح الوطن أو الكنيسة او المسجد.
ثالثها: وهم «التريند» حيث تتغذى خوارزميات مواقع التواصل على الغضب والاستقطاب، ولتحقيق تفاعل أكبر يعمد مروجو الفتن إلى المبالغة الفجة واختلاق الأكاذيب والصور المزيفة أو مقاطع فيديو المجتزأة. في محاولة لزرع الخوف والشك وبناء حواجز نفسية بين أبناء الوطن.
ذات مرة استفزني التحريض على الفتنة فتابعت أحد الحسابات التي تروج لها وتزعم أنها تدافع عن «الأقباط».. تفاجأت أنها لا تكتفي فقط ببث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين وإنما تروج للفتنة أيضا فيما بين إخوتنا الأقباط حتي تطاول أحدهم على نيافة البابا تواضروس الثاني الذي نكن له نحن المصريين جميعا كل التقدير والاحترام، ليزعم أن نيافته «لا يمثل الأقباط لأنه غير منتخب منهم «! المفارقة أنه على الجانب الآخر وجدنا اتهامات مشابهة لفضيلة شيخ الأزهر! وفي الحالتين هناك خلط متعمد للأوراق لإحداث البلبلة والفتنة، لأن اختيار هذه المناصب الدينية يتم بوسائل وإجراءات متعارف عليها ليس من بينهما الانتخابات من جانب الشعوب.
لوقف هذا النزيف المجتمعي، يجب التحرك عبر مسارات متوازية:
الأول يتعلق بالتوعية وهنا تضطلع وسائل الإعلام بمسئولية كبرى لتبصير الناس بمخاطر الفتنة الطائفية، وتوعيتهم بأن تكون منصات التواصل الاجتماعي أكثر حنكة عند تداول الأخبار، بتحرى الدقة وعدم الانجراف وراء الروايات المغرضة. وحث المتصفحين على تحكيم العقل والضمير قبل نشر أو مشاركة محتوى يحرض على الكراهية. ويرتبط بذلك تفعيل ميثاق شرف أخلاقي لمدوني وصناع المحتوى.
والمسار الثاني تقوده النخب المصرية؛ من مفكرين، وكتاب، وعلماء دين وقادة رأي. إن صمت النخب عن استنكار التنميط الطائفي، أو الانخراط فيه، هو خيانة للمسئولية الوطنية. فعلى النخبة أن تتبنى خطابا عقلانيا يعلي من شأن «المواطنة الحاضنة»، وأن تتصدى بقوة لأي خطاب يحاول تحويل القضايا العامة إلى صراعات طائفية. النخبة الحقيقية ينبغي أن تتصدر المشهد لضبط البوصلة، واستخدام ذات المنصات الرقمية لنشر خطاب عقلاني يفكك خطاب الكراهية، ويُذكر المصريين بتاريخهم الطويل من التعايش السلمي، انطلاقاً من أن الاختلاف في العقيدة هو تنوع يُثري الروح المصرية.
والمسار الثالث يتعلق بدور المؤسسات التعليمية والدينية في تعزيز ثقافة المواطنة والتسامح. ويمكن إدراج مادة «التربية الإعلامية والرقمية» في المدارس، لتعليم الأجيال الجديدة كيفية التفكير النقدي وعدم الانسياق خلف كل ما ينشر. وفي الوقت نفسه يجب على الجهات الرسمية والأمنية إصدار بيانات سريعة فور وقوع أي حادث، لقطع الطريق على مروجي الشائعات.
أما المسار الأخير فيتعلق بتعزيز الردع القانوني مما يتطلب من المؤسسات الرسمية التحرك بحزم ضد من يقوم بالتحريض الطائفي عبر الإنترنت وتقديمه للمحاكمة العاجلة، بشرط التمييز الواضح بين حرية التعبير المشروعة وخطاب الكراهية الذي يهدد الأمن الوطني.
علينا جميعا الانتباه إلى ما يحاك لمصر، فبعد أن فشلت كل محاولات جرها إلى حروب إقليمية.. وجدوا أن الحل في إشعال حرب داخلية، ولكن سيظل وعي المواطن المصري، هو الصخرة الأزلية التي تتكسر عليها كل محاولات تمزيق نسيج الوطن.
التعليقات