أحوال الأسرة قبل «الأحوال الشخصية» وبعده!

أحوال الأسرة قبل «الأحوال الشخصية» وبعده!

د. محمد يونس

الدعوة الى حوار مجتمعى حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديدة، مطلوبة ومقدرة ولكنها تحتاج الى تعديل، بحيث ينصب الحوار حول واقع وتحديات الأسرة المصرية، ولأى مدى يسهم القانون الجديد فى مواجهة هذه التحديات، فالمشروع الذى ينتظر إقراره ليس مجرد قانون عادى يتطلب مناقشة البرلمان وإنما سيعيد رسم ملامح العلاقة الأسرية فى قضايا الزواج والطلاق والحضانة والنفقة بما يؤثر على تنشئة وتكوين أجيال من المواطنين.

ومن ثم فإن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس فقط حول مضامين هذا القانون، بل حول كيفية إعداده، ومدى تمثيله لإرادة المجتمع المصرى بكل مكوناته، ومدى استناده إلى تشخيص دقيق لواقع الأسرة.. مناقشة أحوال الأسرة المصرية ينبغى ان تسبق «قانون الأحوال الشخصية» فهى أول من يتأثر به بعد إقراره.

تكشف تقارير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وسجلات محاكم الأسرة، عن وجود مئات الآلاف من حالات الطلاق، وربما ملايين الدعاوى القضائية المعلقة بين أروقة المحاكم، هذه الأرقام تعكس أزمة هيكلية فى بناء الأسرة، وتؤكد أن التعجل فى إصدار نصوص قانونية دون فهم الجذور المسببة لهذه القضايا لن يزيد الأمر إلا تعقيدا!

الحوار المنشود ينبغى ان يأخذ فى اعتباره عدة أطر، من أبرزها:

أولا: الإطار الدستورى. فالمادة العاشرة من الدستور تنص على أن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية»، وتلزم الدولة بتوفير سبل «تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها». كما أن المادة الثانية تؤكد أن «مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع».

هذا يجعل «المصلحة الفضلى للأسرة والطفل» هى البوصلة الوحيدة، بعيدا عن الاستقطاب الجندرى، لذا فإن أى تشريع فى مجال الأسرة يجب أن يكون موجها نحو تماسك الأسرة واستقرارها.

ثانيا: الدور المحورى للأسرة فى مجتمعاتنا، فهى ليست مجرد كيان لتربية الأطفال، وإنما الحاضنة الأولى للمنظومة القيمية وخط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية. وفى ظل عصر تتصارع فيه كيانات وقوى كبرى للسيطرة على العقل البشرى، تقف الأسرة المتماسكة كالجدار العازل أمام محاولات الاختراق الثقافى، والتشويه القيمى، وتذويب الهويات المحلية فى قوالب العولمة .

ومن هنا فإن أى تشريع يؤثر فى بنية الأسرة ليس مجرد مسألة قانونية فنية، بل هو قضية وجودية تتصل بمستقبل الهوية الوطنية ذاتها.

ثالثا:شبكة التحديات: لفهم أسباب الوضع الراهن، يجب تفكيك شبكة التحديات التى تحاصر الأسرة المصرية، وفى مقدمتها التحديات الاقتصادية مما يضع تكوين أسرة جديدة فى دائرة صعوبات متزايدة. وقد انعكس ذلك فى أرقام رسمية واضحة، إذ شهدت مصر انخفاضاً فى عقود الزواج بنسبة 2.5% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، مع ارتفاع معدلات الطلاق.

أما التحديات الاجتماعية فتتجسد فى تآكل دور العائلة الممتدة (كوسيط لحل النزاعات) وتصاعد النزعة الفردية، وتغير مفاهيم «الأدوار الجندرية»، مما أوجد حالة من الصراع الصامت داخل البيوت.

تحتاج إلى معالجتها وليس تعميقها.

رابعا: الوعى بالتكلفة الكبيرة لتفكك الأسرة: تشير الدراسات إلى أن هذا التفكك يؤدى إلى اضطرابات نفسية لدى الأطفال وانحراف الأحداث وارتفاع معدلات الجريمة، وتراجع التحصيل الدراسى للأبناء. واختلال فى القيم الاجتماعية. وإرهاق الدولة بزيادة أعباء الرعاية الاجتماعية والعلاج النفسى ومؤسسات الإصلاح.

خامسا تأثيرات الاتفاقيات الدولية (مثل «سيداو»): على الرغم من الجوانب الإيجابية المتعلقة بحقوق الإنسان فى بعض هذه الاتفاقيات، إلا أنها غالباً ما تنطلق من فلسفة غربية تعتمد الندية و»الصراع الجندري» أساسا للعلاقة بين الرجل والمرأة، وتعلى من شأن «الفردية المطلقة» على حساب تماسك الكيان الأسرى.

مما قد يسهم فى تفخيخ العلاقات الأسرية وتشريع قوانين تزيد من حدة الاستقطاب.

هذا الحوار يجب أن يشارك فيه جميع الأطراف والمؤسسات الدينية، والجهات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدنى، والخبراء القانونيون والاجتماعيون، وممثلون عن الأسر المصرية بكل تنوعها.

ولابد أن ينطلق من هذا الإطار الدستورى. ويراعى الخصوصية المصرية وقيم المجتمع، مع الاستفادة من التجارب الدولية فى حدود ما يتوافق مع هذه الخصوصية. ويضع مصلحة الأسرة والطفل فوق كل اعتبار، وليس المصالح الفئوية أو الأيديولوجيات الضيقة.

الأسرة المصرية تستحق حوارا بناء يضعها فى قلب الاهتمام، ويصون كيانها، ويحميها من عوامل التفكك الداخلية والخارجية. ففى تماسك الأسرة تماسك المجتمع، وفى استقرار المجتمع استقرار الدولة.

التعليقات