تتسابق دول العالم اليوم نحو تعزيز بنيتها التحتية الرقمية لتلبية متطلبات ثورة الذكاء الاصطناعي. وتُعد «مراكز البيانات» الشريان الحيوي لهذه التكنولوجيا الحديثة؛ غير أن هذا الطموح الرقمي المحموم يترافق في كثير من الأحيان مع فواتير بيئية وصحية باهظة تُغيّبها نشوة التحول الرقمي المتسارع. وفي هذا السياق، كشفت واقعة إقرار المطور العقاري لمركز بيانات «هيرتفوردشاير بالمملكة المتحدة عن جرس إنذار عالمي. فرغم الترويج التسويقي لهذا المجمع, باعتباره قاطرة حيوية لتعزيز تقنيات الذكاء الاصطناعي، اعترفت وثائق تقييم الأثر البيئي بأنه سيُحدث أضرارا جسيمة لا تُدرك أبعادها بالنظام البيئي المحلي. وأوضحت التقارير الرسمية أن أعمال التمهيد والبناء الخرساني تقتضي قطع أشجار معمرة واقتلاع الأسيجة النباتية المعمرة التي ظلت تمثل موئلا بيئيا متكاملا لمئات السلالات من الكائنات الحية والحياة البرية منذ عقود، وإحداث اضطرابات حادة في الشبكات المائية ونظم التصريف الهيدرولوجية.
وامتدت المخاطر لتطول الصحة العامة وجودة حياة المجتمعات المحلية؛ وهو ما يُنذر بارتفاع معدلات الأمراض التنفسية. وتفاقم ظاهرة «الجزر الحرارية» الناتجة عن انبعاث الحرارة المستمرة من خوادم التشغيل وأجهزة التبريد العملاقة والمولدات المساندة التي تعمل بلا انقطاع، مع ما يرافقها من ضوضاء وتلوث ضوئي مستمر تؤرق المناطق السكنية القريبة. كما فند التقرير العلمي خديعة ما يُسمى بالتعويض البيئي أو «المكسب الصافي للتنوع البيولوجي»، مبينا أن إنشاء الحدائق والبرك والمستنقعات الصناعية أو زراعة شتلات حديثة لا يمكنها استعادة كفاءة النظم البيئية الأصيلة المركبة. إن هذه التجربة الدولية تقدم درسا بيئيا لنا في مصر، ونحن نخطو خطوات حثيثة وجادة نحو توطين صناعة مراكز البيانات وضخ الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية. المطلوب هو توخي الحذر والتروي قبل التوسع في منح تراخيص البناء، إذ يستلزم الأمر إخضاع جميع المشروعات لدراسات أثر بيئي وصحي صارمة ومستقلة، واختيار المواقع بوعي، وحظر استقطاع الأراضي الزراعية أو المحميات البيئية، والتوجّه نحو إعادة استغلال المناطق الصناعية القديمة، وإلزام الشركات المستثمرة بتطبيق أعلى معايير الاستدامة وتبريد الخوادم بالطاقة النظيفة.
تحقيق الريادة الرقمية لمصر يجب أن يسير مع صون المقدرات البيئية والصحية للوطن؛ فالتكنولوجيا الحقيقية والرشيدة هي تلك التي تبني المستقبل وتخدم الإنسان، دون أن تبدد نظامه البيئي أو تجرف رقعته الخضراء.
التعليقات