اختار معرض أبوظبي الدولي للكتاب، في دورته الـ35 التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية خلال الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026، محمد أحمد المر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، ليكون أول شخصية تحتفي بها المبادرة السنوية الجديدة "أعلام الإمارات"، تقديراً لمسيرته الممتدة في الأدب والإعلام والعمل الثقافي والمؤسسي، ودوره في توثيق الذاكرة الإماراتية وتعزيز حضور الثقافة والمعرفة.
لم يكن الأدب بالنسبة إلى "المر" نشاطاً عابراً، إذ بدأ مبكراً محاولاته في أكثر من جنس أدبي، قبل أن تتجه تجربته بصورة خاصة إلى القصة القصيرة، التي أصبحت أحد أبرز المجالات التي ارتبط اسمه بها في المشهد الإماراتي، ووسيلة لرصد التحولات التي عاشها المجتمع المحلي مع الطفرة الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الدولة.

- ولد محمد أحمد محمد المر الفلاسي في دبي عام 1955.
- نشأ "المر" في بيئة شغوفة بالقراءة والمعرفة، وظهرت ميوله إلى الأدب والكتابة منذ سنواته المبكرة.
- بعد إتمام مراحل تعليمه الأولى في الإمارات، انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية في جامعة سيراكيوز بولاية نيويورك، قبل أن يعود إلى بلاده ويبدأ مسيرة جمعت بين العمل الثقافي والإعلامي والعام.

دخل المر عالم النشر القصصي بإصدار مجموعته الأولى "حب من نوع آخر" عام 1982، ثم توالت أعماله، ومنها "الصوت الناعم"، و"سحابة صيف"، و"مكان في القلب"، و"قرة عين"، و"ياسمين"، و"نصيب"، و"شيء من الحنان"، و"حبوبة"، و"الفرصة الأخيرة"، و"فيضان قلب"، إلى جانب كتابات ومقالات تناولت المجتمع الإماراتي وشخصياته وتحولاته.
ويشير الإعلان الخاص بمبادرة "أعلام الإمارات" إلى أن المر قدم 12 مجموعة قصصية رصد من خلالها التحولات الاجتماعية في الدولة، بينما تذكر سيرته المنشورة لدى مهرجان طيران الإمارات للآداب أنه أصدر أكثر من 15 مجلداً من القصص القصيرة.
ووصل جانب من أدبه إلى القارئ الأجنبي، إذ تُرجمت مجموعتان من أعماله إلى الإنجليزية هما "Dubai Tales" و"The Wink of the Mona Lisa"، كما أشارت مصادر إماراتية إلى ترجمة عدد من كتاباته إلى لغات أخرى، من بينها الهندية.

اكتسبت تجربة "محمد المر" الأدبية خصوصيتها من ارتباطها الوثيق بالمكان والمجتمع؛ إذ استعاد في قصصه صور الحياة الخليجية القديمة، وعلاقة الإنسان بالبحر والصحراء والتجارة، وفي الوقت نفسه رصد أثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة في حياة الناس، لذلك تحولت أعماله إلى ما يشبه سجلاً أدبياً لمرحلة شهدت تغيراً سريعاً في شكل المجتمع الإماراتي وحياته اليومية.
ولم تقتصر كتاباته على القصة، بل كتب المقالات الصحفية والموضوعات المرتبطة بالثقافة والمجتمع، واهتم كذلك باللهجات الإماراتية وتوثيق جوانب من التراث المحلي، فيما اختير كتابان من مؤلفاته للتدريس ضمن المناهج في عدد من جامعات الدولة، في انعكاس للحضور الذي اكتسبته تجربته في المشهد الثقافي والأكاديمي.

امتدت تجربة "المر" إلى الإعلام، حيث ترأس تحرير صحيفتي "جلف تايمز" و"البيان"، وقدم عبر الصحافة كتابات تناولت الثقافة والفنون والمجتمع.
وبعد تجربة صحفية وإبداعية طويلة، اتجه بصورة أوسع نحو العمل المؤسسي، ليشارك في بناء وإدارة عدد من أبرز المؤسسات الثقافية في دولة الإمارات.
وتولى رئاسة "ندوة الثقافة والعلوم"، التي تأسست في دبي عام 1987، ثم قاد "مجلس دبي الثقافي" عام 2004، قبل أن تتواصل مسيرته مع تأسيس "هيئة دبي للثقافة والفنون" عام 2008، التي شغل رئاسة مجلس إدارتها في مرحلة من مسيرته.
ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، كما يتولى رئاسة مجلس أمناء جائزة محمد بن راشد للغة العربية، إلى جانب عضويته في عدد من المجالس والمؤسسات الثقافية والأكاديمية.

لم تقتصر مسيرة محمد المر على الثقافة والإعلام، بل انتقلت إلى العمل البرلماني؛ ففي نوفمبر 2011 انتخبه أعضاء المجلس الوطني الاتحادي بالتزكية رئيساً للمجلس مع انطلاق الفصل التشريعي الخامس عشر، ليتولى المنصب حتى عام 2015، وكانت تلك المحطة واحدة من أبرز التجارب في مسيرته العامة، إذ جمعت بين خلفيته الثقافية والعمل الوطني والمؤسسي.
وخلال رئاسته للمجلس ارتبط اسمه أيضاً بمبادرات تستهدف الأجيال الجديدة، من بينها مشروع البرلمان الطلابي الذي سعى إلى تعريف طلبة المدارس بعمل المجلس الوطني الاتحادي، وإكسابهم خبرة في الحوار والمشاركة والتعبير عن آرائهم وقضايا مجتمعاتهم.

وراء الكاتب والمسؤول الثقافي جانب آخر من شخصية محمد المر يرتبط بالاقتناء والتوثيق؛ فهو مهتم بالمخطوطات النادرة والفنون التشكيلية والخط العربي المعاصر والعملات والتحف، وجمع خلال سنوات طويلة أعمالاً مرتبطة بالبيئة الإماراتية والعُمانية وتراث المنطقة، إلى جانب اهتمام خاص بتاريخ البريد والطوابع في الإمارات وسلطنة عُمان.
وتجاوز هذا الشغف حدود الهواية، إذ حصل في معرض الطوابع الدولي في سنغافورة عام 2019 على ميدالية ذهبية عن معرض تناول الأختام والتاريخ البريدي لمسقط بين عامي 1830 و1948، كما رُشح للمنافسة على إحدى الجوائز الرئيسية للمعرض، في تأكيد على القيمة التوثيقية للمقتنيات والأبحاث التي جمعها في هذا المجال.

أسهم "المر" على مدى عقود في مشروعات تستهدف حفظ الذاكرة الوطنية وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الإمارات، وهو توجه يواصل حضوره من خلال مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم.
وفي مناسبات ثقافية عدة أكد أهمية جعل الكتاب والمعرفة وسيلة لتعريف الشباب بتاريخ الدولة وقادتها وتجربتها التنموية، إلى جانب دعم الأدب والنشر والمكتبات والصناعات الثقافية.
كما حظيت مسيرته بتقدير ثقافي رسمي؛ ففي عام 2006 نال "جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب"، فيما ظل حضوره ممتداً بين الأدب والعمل الثقافي والإعلامي والبرلماني، وهي المسارات التي جعلت منه واحداً من الأسماء البارزة في الحياة الثقافية الإماراتية خلال العقود الماضية.

ويأتي اختيار محمد المر أول شخصية لمبادرة "أعلام الإمارات" ليعيد تقديم هذه المسيرة إلى الأجيال الجديدة، ويخصص معرض أبوظبي الدولي للكتاب جدارية تستعرض سيرة حياته، إلى جانب جناح يضم مجموعة واسعة من مؤلفاته ومقتنياته النادرة، وفيلم وثائقي باللغتين العربية والإنجليزية يتناول أبرز محطات تجربته، فضلاً عن برنامج من الفعاليات الثقافية المرتبطة به.
وتسعى المبادرة الجديدة إلى تجاوز مفهوم التكريم التقليدي، من خلال الجمع بين الحوار والتوثيق والنشر والإنتاج المرئي، وتحويل تجارب الشخصيات الإماراتية الرائدة إلى محتوى معرفي مستدام. وباختيار المر في مستهل المشروع، يسلط المعرض الضوء على شخصية امتدت رحلتها من كتابة القصة والصحافة إلى بناء المؤسسات الثقافية والعمل البرلماني، وصولاً إلى حفظ المخطوطات والفنون والذاكرة الوطنية، في مسيرة جعلته أحد أبرز شهود التحول الثقافي والاجتماعي الذي عاشته الإمارات خلال العقود الأخيرة.
التعليقات