استحضار «غاندى»!

استحضار «غاندى»!

عبدالمحسن سلامة

المؤكد أن العالم الآن يحتاج إلي روح غاندي، ورسائله، وحكمته البالغة أكثر من أي وقت مضي، بعد أن أصبح العنف منهجا، والتمييز وسيلة، والعنصرية إدمانا، في الكثير من الشعوب، واختلطت الأمور، ورجعت «السيارة» إلي الخلف بالعالم ـ كما يقولون ـ بعد أن كان أكثر المتشائمين لا يتوقع ما يحدث الآن من حروب، وسفك دماء، وإبادة، بل ظهور قادة وزعماء متطرفين، هنا أو هناك.

لم يعد الأمر مقصورا علي منطقة بعينها، ولا مجتمع بذاته، وانما تداخلت الأمور، وأصبحت أكثر تعقيدا وقسوة من أي وقت مضي.

لكل هذا تمنيت فعلا استحضار روح الزعيم الهندي العظيم غاندي ليأخذ بيد العالم في تلك المرحلة التي بات فيها صوت الحروب، والانفجارات، والقتل، والتخريب يعلو على كل الأصوات الأخري.

ولأن الصديق عبدالنبي الشعلة الكاتب والمفكر البحريني الكبير عاش في الهند فترة طويلة، ودرس العلوم في جامعة مومباي، فقد نجح في كتابه «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» في إبراز العديد من جوانب شخصية غاندي، ومواقفه خاصة ما يتعلق بقضايا العرب والمسلمين.

غاندي واحد من هؤلاء الذين نجحوا في إيقاظ الضمير الانساني من خلال المبادئ التي جسدها، وخاصة كل ما يتعلق بالحرية، والتسامح، والتعايش.

الحرية عنده لم تكن امتيازا لفئة، والعدالة لم تكن شعارا في مواجهة الخصوم، والتسامح لم يكن ضعفا أو تنازلا عن الحق، بل قوة اخلاقية تتيح للانسان أن يقاوم الظلم من دون أن يتحول إلي نسخة أخري من الظالم.

أما مبدأ «اللاعنف» فلم يكن عنده بمنزلة موقف سلبي أو استسلام، بل فعل مقاومة منضبط بالشجاعة والصبر، فهو يتمسك بالحق من غير أن يهدر إنسانية من يخاصمه.

لكل هذا فإن عظمة تجربة غاندي أنها جمعت بين صلابة الغاية، ونبل الوسيلة، ولم يفصل بين عدالة الهدف، واخلاق الطريق المؤدي إلي تحقيقه.

وقف غاندي مساندا ومدافعا عن المسلمين في الهند، كما وقف مساندا ومدافعا عن حقوق الفلسطينيين في أراضيهم، رافضا أن يتعرض العرب في فلسطين لأي ظلم.

للأسف الشديد عاد المجتمع الدولي خطوات عنيفة إلي الخلف ليغرق في دوامة العنف والتطرف والإرهاب والتفرقة والاستبداد، ووسط كل ذلك حاول الكاتب الكبير عبدالنبي الشعلة إضاءة شمعة وسط «العتمة» بإصدار طبعته الجديدة من هذا الكتاب الرائع.

نقلا عن جريدة الأهرام

التعليقات