بعد أكثر من ثمانين عامًا على تأسيس الأمم المتحدة، وتعاقب تسعة أمناء عامين على قيادتها، لم تصل امرأة واحدة إلى المنصب الأعلى في المنظمة التي جعلت المساواة بين الجنسين أحد مبادئها الأساسية. وفي 31 أكتوبر 2026، وبينما كان العالم يستعيد الذكرى السادسة والعشرين لقرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، كانت الدبلوماسية الإماراتية لانا زكي نسيبة قد دخلت بالفعل سباقًا تاريخيًا لقيادة الأمم المتحدة، بعد ترشيح دولة الإمارات لها في 21 أكتوبر.
ولم يكن هذا التزامن مجرد مصادفة زمنية، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال يتجاوز تمثيل المرأة في مواقع القيادة إلى مستقبل المنظمة الدولية نفسها: هل يمكن أن يأتي التغيير الذي تنتظره الأمم المتحدة من دبلوماسية عربية عرفت مؤسساتها من الداخل، وشاركت في صناعة قراراتها، وتطمح اليوم إلى قيادتها في واحدة من أكثر مراحل النظام الدولي تعقيدًا؟
ويكتسب هذا الترشيح أهمية تتجاوز المنافسة على منصب دولي رفيع، فهو يعكس حضورًا إماراتيًا متناميًا في العمل متعدد الأطراف، ويفتح النقاش حول فرص وصول شخصية عربية إلى قيادة المنظمة الدولية، خاصة في مرحلة تواجه فيها الأمم المتحدة تحديات متزايدة تتعلق بفاعلية مؤسساتها وقدرتها على التعامل مع الأزمات الدولية، واستعادة الثقة في دورها.
وتستند نسيبة في ترشيحها إلى مسيرة مهنية امتدت لأكثر من عقدين في العمل الحكومي والدبلوماسي، كان لها خلالها حضور بارز داخل الأمم المتحدة. فقد شغلت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى المنظمة خلال الفترة من 2013 إلى 2024، وكانت أول امرأة تتولى هذا المنصب. وخلال هذه السنوات شاركت في ملفات السلم والأمن الدوليين والعمل الإنساني والتنمية المستدامة وإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف، كما تولت منصب نائبة رئيس الجمعية العامة ورئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وخلال عضوية الإمارات غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2022–2023، قادت الوفد الإماراتي وتولت رئاسة المجلس مرتين، وكان لها دور في عدد من الملفات والقرارات المهمة، من بينها القرار 2720 الصادر في ديسمبر 2023 بشأن تعزيز آليات إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وتشغل نسيبة حاليًا منصب وزيرة دولة بوزارة الخارجية الإماراتية، وقد أعلنت حصولها على إجازة من مهامها الوزارية للتفرغ لترشيحها، تأكيدًا لالتزامها باستقلالية المنصب الذي تتطلع إلى توليه.
وتمنحها هذه التجربة معرفة مباشرة بآليات عمل الأمم المتحدة وطبيعة التفاوض داخل مجلس الأمن والعلاقة بين الدول الأعضاء والأمانة العامة، وهي عناصر أساسية لفهم المسؤوليات السياسية والمؤسسية التي يتطلبها منصب الأمين العام. وتكتسب هذه الخبرة أهمية إضافية في ضوء الطبيعة المستقلة للمنصب، وما يتطلبه من قدرة على بناء الثقة وتقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء، وهو المبدأ الذي أكدت نسيبة التزامها به في وثيقة رؤيتها لقيادة المنظمة.
وفي وثيقة رؤيتها لقيادة الأمم المتحدة، تطرح نسيبة تصورًا يركز على استعادة فاعلية المنظمة وتعزيز قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة بدلًا من الاكتفاء بإصدار البيانات وإعلان الالتزامات. وتضع الدبلوماسية الوقائية في مقدمة أولوياتها، من خلال التحرك المبكر لاحتواء الخلافات قبل تحولها إلى نزاعات، والعمل على بناء تفاهمات عملية حتى في الحالات التي يصعب فيها التوصل إلى تسويات سياسية شاملة.
ومن أبرز الأفكار التي تطرحها مفهوم "الاتفاقات الأولية" First Agreements، أي البدء بخطوات قابلة للتنفيذ، مثل تأمين الممرات الإنسانية وتبادل الأسرى والتوصل إلى هدن محلية، ثم البناء عليها للوصول إلى اتفاقات أوسع وأكثر استدامة. كما تشمل رؤيتها إصلاح أداء المؤسسات الأممية، وتقليل الازدواجية في عملها، وتحسين كفاءة الإنفاق وتعزيز المساءلة، إلى جانب الاهتمام بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وفرص العمل للشباب والتنمية المستدامة.
وتنطلق نسيبة من إدراك أن قوة الأمين العام لا تكمن في امتلاك سلطة تنفيذية على الدول، بل في استقلالية المنصب والقدرة على بناء الثقة وتقريب وجهات النظر. ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التي تقدمها، وإن ظل نجاحها مرهونًا بقدرة المنظمة على تحويل التفاهمات المحدودة إلى نتائج مستدامة، وبالتعاون بين الأمم المتحدة والدول الأعضاء لتوفير الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذها. ولا يأتي ترشيح نسيبة بمعزل عن تطور الدور الإماراتي في المؤسسات الدولية، بل يمثل امتدادًا لحضور دبلوماسي اتسع خلال السنوات الماضية، سواء من خلال عضوية مجلس الأمن أو المشاركة في ملفات العمل الإنساني والتنمية المستدامة والتغير المناخي وإصلاح منظومة الأمم المتحدة، فضلًا عن المبادرات المتعلقة بحماية حقوق النساء والفتيات وتعزيز مشاركتهن في بناء السلام.
وفي هذا السياق، برز اهتمام الإمارات بأجندة المرأة والسلام والأمن، ففي مارس 2021 أطلقت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أول خطة عمل وطنية لتنفيذ القرار 1325 على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، للفترة 2021–2024، بما يعكس توجهًا إماراتيًا نحو إدماج قضايا المرأة في سياسات السلام والأمن وتعزيز مشاركتها في صنع القرار. ويمكن قراءة ترشيح نسيبة باعتباره امتدادًا لهذا المسار الدبلوماسي والمؤسسي، والانتقال من المشاركة في صياغة المبادرات الدولية إلى المنافسة على قيادة المؤسسات المعنية بتنفيذها.
وحظي الترشيح الإماراتي بدعم خليجي وعربي، إذ أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي في 22 أكتوبر 2026 دعمها بالإجماع لترشيح نسيبة، كما أعلنت مصر دعمها للترشيح في 26 أكتوبر، بالتزامن مع اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي وسمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، أشاد خلاله عبد العاطي بخبرات نسيبة وقدراتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف، معربًا عن تقدير مصر لترشيحها.
ويكتسب هذا الدعم أهمية إضافية بالنظر إلى تاريخ الحضور العربي في قيادة الأمم المتحدة، إذ سبق للدبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي أن تولى منصب الأمين العام خلال الفترة من 1992 إلى 1996، ليظل العربي الوحيد الذي شغل هذا المنصب. ومن ثم فإن وصول نسيبة، لن يمثل فقط سابقة تاريخية باعتبارها أول امرأة تتولى قيادة المنظمة، بل سيعني أيضًا عودة الحضور العربي إلى قمتها، ولكن هذه المرة من خلال دبلوماسية إماراتية.
ويمثل ترشيح لانا نسيبة محطة مهمة في مسار الحضور الإماراتي داخل المؤسسات الدولية، ويعكس طموحًا يتجاوز المشاركة الدبلوماسية التقليدية نحو الإسهام في قيادة منظومة العمل متعدد الأطراف. كما يبرز الدعم الخليجي والمصري أهمية التنسيق العربي في الملفات الدولية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمناصب تتجاوز أبعادها حدود الدول المرشحة إلى مستقبل المنطقة وموقعها داخل النظام الدولي.
والسؤال الجوهري الآن حول قدرة الدبلوماسية العربية على الانتقال من التأثير في القضايا الدولية إلى المشاركة في قيادة المؤسسات التي تديرها، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه الخبرات العربية في تطوير أداء الأمم المتحدة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة. وربما يظل السؤال الأهم: هل تحتاج الأمم المتحدة إلى قيادة مختلفة، أم إلى إرادة دولية تمنح قيادتها القدرة على إحداث الاختلاف؟
التعليقات