في كل مرحلة سياسية جديدة، تخرج علينا مصطلحات معتادة ومفاهيم متداولة حول "التنظيم" و"العمل الحزبي" و"المشهد العام"، لكن قليلون هم من يتوقفون ليفكروا في معنى هذه الكلمات حين تتحول من شعارات إلى مسؤولية، ومن منصب إلى امتحان حقيقي أمام الناس. حين شرفت بتكليفي رئاسة أمانة حزب حماة الوطن بمحافظة المنيا، بل استدعيت في ذهني لحظة من لحظات الوعي العميق… أن هذا الموقع ليس ترقية، بقدر ما هو عبء جميل، وسؤال صعب لا يُجاب إلا بالفعل والصدق.
العمل الحزبي في جوهره ليس مجرد تنظيم إداري أو مشاركة انتخابية، بل هو مشروع وطني طويل النفس، يمتد بين طرفين: الدولة من جهة، والمجتمع من جهة أخرى. وكل حزب جاد في في الأساس حلقة وصل بين الطرفين، لا جدارًا بينهما. الحزب هو من يُترجم السياسات إلى لغة الناس، ويحوّل هموم الناس إلى أوراق عمل تُرفع إلى من بيده القرار. فالأحزاب ليست فكرة، بل ممارسة.
في تجربتي النيابية السابقة، ثم في السنوات التي تفرغت فيها للعمل الأهلي والتنموي، لم أغب عن الناس، لأنني أؤمن أن السياسة الحقيقية لا تحتاج إلى كرسي كي تبدأ، بل تحتاج إلى نية صادقة كي تستمر. واليوم، حين أعود من بوابة حزب مؤسسي كـ"حماة الوطن"، فإنني أؤمن أن الرهان ليس على استحقاق انتخابي، بل على بناء نموذج في العلاقة بين الحزب والناس، نموذج يسمع ويشارك ويقترح ويعترف إن أخطأ، ويتواضع إن أصاب، ويعتبر نجاحه الحقيقي حين يرى أثره في حياة مواطن في قرية نائية أو شاب يبحث عن فرصة أو امرأة تنتظر خدمة أساسية.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الأحزاب على الورق، بل مزيدًا من الحسّ الحزبي الحقيقي، الذي يربّي القيادات لا يُصدر الشعارات، ويخرّج جيلًا من الشباب يؤمن بأن السياسة ليست امتيازًا بل واجب. أن تكون حزبيًا لا يعني أن ترفع لافتة، بل أن تضع يدك في قلب الشارع، وتُترجم المعاناة إلى سياسات، والغضب إلى اقتراحات، والطموح إلى مسارات واضحة للتنفيذ. وهذه مهمة لا تنجح فيها الأحزاب التي تنغلق على نخبتها، بل التي تنفتح على المجتمع بثقة واحترام، وتُعيد الثقة بين المواطن والعمل العام.
إن مسؤولية المرحلة ليست في التنافس فقط، بل في التكامل. الأحزاب الوطنية اليوم مدعوّة إلى إعادة تعريف دورها، ليس فقط أمام السلطة، بل أمام الناس: هل نحن موجودون فقط لموسم انتخابي؟ أم أن دورنا يمتد إلى المدارس والمستشفيات والنقابات والمبادرات والميدان؟
إنني لا أكتب هذا المقال كأمين جديد لحزب فاعل في الحياة السياسية المصرية، بل كواحد من أبناء هذا الوطن، تربّى في بيت حمل همّ الناس قبل أن يحمل لقبًا، وخاض تجربة البرلمان، ثم عاد إلى الميدان بلا ضجيج، مؤمنًا أن الوطن لا يبنيه الغياب ولا الانسحاب، بل التواصل والتراكم.
العمل الحزبي ليس موقعًا رسميًا، بل رؤية.
ليس مكافأة، بل أمانة.
وكل من يظن أن الانتماء الحزبي مجرد حبر على بطاقة، فليعلم أنه أمام مسؤولية أعمق من كل المناصب.
ولذلك… لا أعد إلا بما أملك: الصدق، الحضور، والعمل.
سياسي مصري
التعليقات