من الظواهر التي تستحق التأمل في السلوك الإنساني أن بعض الناس يبدون قدرة لافتة على الصبر حين يتعلق الأمر بشيء يعرفون في أعماقهم أنه ممنوع أو محرّم.
يتحملون لأجله مشقة الانتظار، ويقبلون بالمخاطرة، ويتجاوزون العقبات الواحدة تلو الأخرى، بل وقد يسلكون طرقًا طويلة ومعقدة فقط ليبلغوا غايتهم. المثير في الأمر أن هذه القدرة نفسها تبدو وكأنها تتلاشى عندما يكون الطريق متاحًا بطريقة مشروعة وواضحة. فحيث كان الإصرار حاضرًا، يحلّ التردد، وحيث كان الاحتمال طويل النفس، يظهر الضجر سريعًا. كأن الطاقة لم تختفِ، بل غيّرت اتجاهها.
هذه المفارقة لا يمكن اختزالها في ضعف الإرادة أو هشاشة الالتزام. فلو كان الإنسان عاجزًا عن الصبر أصلًا، لما رأيناه يثابر على ما يعلم أنه خطأ أو مخاطرة. الواقع يكشف أن القدرة موجودة، بل قد تكون قوية ومتماسكة. المشكلة إذن ليست في غياب الصبر، وإنما في موضع صرفه. الصبر في جوهره قدرة زمنية؛ احتمال واعٍ للمشقة وتأجيل للرغبة المباشرة من أجل غاية يُعتقد أنها تستحق. لكنه لا يحمل قيمة أخلاقية بذاته، فهو أداة محايدة يمكن أن توجَّه نحو البناء كما يمكن أن تُستعمل في غير ذلك. ومن هنا فالمعيار ليس مقدار الصبر، بل الوجهة التي يُسخَّر لها.
ولفهم أعمق لهذه الظاهرة، ينبغي التمييز بين الصبر كقدرة نفسية، وبين الصورة الذهنية التي تغذّيه. فالإنسان لا يصبر من أجل النتيجة المجردة فقط، بل من أجل الصورة التي يرسمها في خياله عن تلك النتيجة. الصورة قد تكون أكبر من الواقع، وأشد لمعانًا منه. وغالبًا ما يُحيط الممنوع بهالة من الغموض والإثارة والتحدي، فيبدو في المخيلة أكثر جاذبية مما هو عليه في حقيقته. هذا التوهج المتخيَّل يمنح الدافع شحنة إضافية، فتقوى الرغبة ويطول معها النفس.
في المقابل، قد يبدو المسموح هادئًا، واضحًا، بلا مفاجآت ولا دراما. هو طريق مستقيم، عاقبته مستقرة، لكنه لا يثير الخيال بنفس القدر. صورته في الذهن أقل اشتعالًا، وأقل كثافة شعورية، فيضعف الحماس نحوه. ليس لأنه أقل قيمة، بل لأنه أقل إثارة للخيال. وهنا يظهر أثر الإدراك في توجيه الإرادة؛ فالصبر يتغذى على ما نتصوره ونبالغ في تقديره، أكثر مما يتغذى على الوقائع المجردة.
وحين تتضخم صورة الممنوع في الوعي، يحدث نوع من الانتقائية في النظر إليه. تُبرز منافعه المحتملة، وتُهمّش مخاطره، ويُعاد تفسيره بحيث يبدو وكأنه استثناء مبرر. قد يُقال في النفس: هذه مرة واحدة، أو الأمر ليس خطيرًا كما يُصوَّر، أو الجميع يفعل ذلك. في المقابل يُنظر إلى المسموح كما هو، بلا زخرفة ولا إعادة تأويل. وهكذا لا تتم المقارنة بين حقيقتين متكافئتين، بل بين صورة مزخرفة وأخرى عادية. من الطبيعي في مثل هذه المقارنة غير العادلة أن تميل الكفة نحو الصورة الأكثر بريقًا، ولو كانت أقل صدقًا.
وفي بعض الأحيان لا يكون الدافع متعلقًا بالمتعة المباشرة فقط، بل بالمعنى الرمزي للفعل. فالممنوع قد يمنح صاحبه شعورًا بأنه يتجاوز حدًا مفروضًا، أو يكسر قيدًا، أو يثبت استقلاله عن سلطة ما. فيتحول الفعل من مجرد سلوك إلى إعلان غير مباشر عن هوية معينة. هنا يصبح الصبر دفاعًا عن صورة الذات؛ صبرًا على طريق يرى فيه الإنسان تأكيدًا لاستقلاله أو تمرّده أو تفرده. هذا البعد الرمزي يضاعف الحافز، ويجعل المشقة جزءًا من إثبات الذات.
أما المسموح، لأنه يقوم على الالتزام والانضباط، فلا يمنح الإحساس ذاته بالدراما أو البطولة. فهو اختيار هادئ، قد لا يلفت الانتباه، ولا يقدّم شعورًا فوريًا بالتفوق أو التحدي. لذلك قد يبدو أقل إغراء، رغم أنه أكثر اتساقًا وأبعد أثرًا. المشكلة هنا ليست في قيمة الطريق، بل في الصورة العاطفية المصاحبة له.
وقد يتضح الأمر أكثر عندما ننظر إلى مسألة الهوية. إذا لم تكن القيم راسخة في تعريف الإنسان لنفسه، تبقى قابلة للمساومة عند أول إغراء قوي. إذا كان المسموح مجرد تعليمات خارجية أو قواعد مفروضة من الخارج، فقد يُنظر إليه على أنه قيد يمكن التحايل عليه. أما إذا أصبح جزءًا من تصور الإنسان عن ذاته، فإن مخالفته لا تكون مجرد خرق لقاعدة، بل مساسًا بكيانه الداخلي. وعندها يتبدل ميزان الصبر؛ فيصبر على المسموح لأنه يراه حفاظًا على صورته عن نفسه، ويضيق بالممنوع لأنه يشعر أنه ينتقص من كرامته أو يربكه من الداخل.
من هنا نفهم أن المسألة ليست اختبارًا بسيطًا لقوة الإرادة، بل هي تفاعل معقد بين الإدراك، والخيال، والهوية، والدافع. فالإنسان بطبعه يميل إلى ما يتصور أنه أكثر امتلاءً بالشعور والمعنى. قد يختار طريقًا أطول وأصعب لأنه يتخيله أكثر ثراءً بالتجربة. فالمعيار ليس دائمًا سهولة الطريق أو صعوبته، بل مقدار المعنى الذي يعتقد أنه سيجنيه منه. وإذا بدا المسموح في وعيه منخفض الكثافة، ضعُف اندفاعه نحوه، لا لأنه بلا قيمة، بل لأن قيمته لم تُستحضر في ذهنه بصورة كافية.
لذلك فإن العلاج لا يكون بقسوة على النفس أو باتهامها بالعجز، بل بإعادة ترتيب الرؤية من جذورها. فيبدأ الأمر بتفكيك الصورة المبالغ فيها للممنوع، والنظر إليه بميزان أكثر عدلًا، يُظهر مخاطره كما يُظهر منافعه. وفي الوقت نفسه، يحتاج الإنسان إلى أن يعيد بناء صورة المسموح في وعيه، لا بوصفه خيارًا باهتًا أو مجرد التزام جاف، بل باعتباره مسارًا يحمل معنى عميقًا واستقرارًا طويل الأمد.
وحين يربط الإنسان المسموح بقيم يعتز بها، كالسلام الداخلي، والاتساق مع الذات، والطمأنينة، والكرامة، تتغير صورته في الذهن. ويصبح الالتزام اختيارًا واعيًا لا استسلامًا، ويغدو الصبر عليه استثمارًا في هوية متماسكة. ومع الوقت، يتعلم أن يجد في الطريق ذاته قدرًا من الرضا، لا أن ينتظر المتعة في نهايته فقط. فيكتشف أن الطمأنينة المتولدة من الاتساق قد تكون أعمق وأبقى من الإثارة العابرة.
وختاماً فإن المشكلة ليست أن الإنسان يفتقر إلى الصبر، بل أنه قد يضعه في غير موضعه. الصبر طاقة يمكن أن تخدم الوهم كما يمكن أن تخدم الحقيقة، ويمكن أن تكرّس نزوة عابرة كما يمكن أن تبني قيمة راسخة. وحين ندرك أن جذور المفارقة تكمن في الطريقة التي نصوغ بها صور الأشياء في أذهاننا، وفي الهوية التي نختار أن ننتمي إليها، يصبح السؤال الأهم: أي صورة نسمح لها أن تنمو في داخلنا؟ وأي معنى نمنحه أولوية؟ عندها فقط يمكن أن يتحول طول النفس من خدمة اندفاع مؤقت إلى خدمة رؤية أعمق، ومن مسار منحرف إلى طريق أكثر استقامة واتزانًا.
التعليقات