
تدخل صناعة الأخبار اليوم مرحلة النقرات الصفرية أو ما يُعرف بظاهرة جوجل زيرو (Google Zero)، حيث باتت محركات البحث وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدم إجابات كاملة للمستخدمين تغنيهم عن النقر للدخول إلى المواقع الإخبارية الأصلية. هذا المتغير الجذري كان المحور الأبرز في النسخة الخامسة عشرة من تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز بجامعة أكسفورد، والذي وصف المشهد الحالي بالمنعطف التاريخي الأكثر تذبذباً في تاريخ استهلاك المعلومة.
كابوس النقرة الصفرية واقتصاد الانتباه
تثير تقنيات مثل إجابات الذكاء الاصطناعي (AI Overviews) قلقاً وجودياً لدى الناشرين؛ إذ تشير البيانات إلى أن 51% فقط من مستخدمي الذكاء الاصطناعي للحصول على الأخبار يميلون للنقر على الروابط للحصول على تفاصيل إضافية، مقارنة بنسب أعلى بكثير في البحث التقليدي. هذا الهبوط الحاد في ترافيك الإحالات، الذي قد يصل إلى 40% وفق بعض التوقعات، يهدد بشكل مباشر النفوذ المالي والنموذج الاقتصادي القائم على الإعلانات الرقمية للمؤسسات الصحفية
.
سيادة المنصات: الفيديو أولاً
بالتوازي مع زلزال الذكاء الاصطناعي، سجل التقرير الذي شمل 100 ألف مستهلك في 48 سوقاً، تفوق منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو لأول مرة كأكثر مصادر الأخبار استخداماً بنسبة 54% عالمياً، متجاوزة التلفزيون (52%) والمواقع الإخبارية الرسمية (51%).
ويعكس هذا التحول انجرافاً تدريجياً نحو ثقافة المشاهدة؛ حيث يعتبر نصف الشباب (18-24 عاماً) منصات التواصل مصدرهم الرئيسي للأخبار. واللافت أكاديمياً هو أن 56% من هذه الفئة الجيلية لم يسبق لهم قراءة صحيفة مطبوعة بانتظام، مما يؤكد أن عادات الاستهلاك الجديدة بنيوية وليست عابرة.
أزمة الثقة وتحدي تجنب الأخبار
في ظل هذا الضجيج الرقمي، تراجعت الثقة في الأخبار إلى أدنى مستوياتها التاريخية لتبلغ 37% عالمياً. هذا التدهور في الثقة، مقترناً بحالة التقلب السياسي، أدى إلى ترسخ ظاهرة تجنب الأخبار (News Avoidance)؛ حيث صرح 42% من المشاركين بأنهم يتجنبون الأخبار أحياناً أو غالباً، هروباً من الشعور بالإحباط أو القلق.
صعود المؤثر الإخباري المستقل
رصد التقرير تحولاً في هوية الوسيط الإخباري؛ إذ أفاد 27% من الجمهور بأنهم يحصلون على الأخبار من صناع محتوى متخصصين، وهي نسبة ترتفع لتتجاوز المؤسسات العريقة لدى الفئات الشابة. ويرى الجمهور في هؤلاء الصناع لغة أكثر تسلية وأسهل في الفهم، مما يفرض على الغرف الإخبارية التقليدية تحدي إعادة ابتكار قوالبها البصرية لتناسب عصر الفيديو.
استراتيجيات البقاء
يؤكد تقرير رويترز 2026 أن الصحافة تعيش حالة من الهشاشة المؤسسية
ومع استقرار نسبة من يدفعون مقابل الأخبار عند 17% فقط، لم يعد النجاح مرتبطاً بكثافة النشر، بل بمدى القدرة على التكيف مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، واستعادة دور المحقق الموثوق في بيئة رقمية مجزأة تعاني من طوفان المعلومات المضللة.
التعليقات