تحل اليوم الإثنين، الذكرى السادسة لرحيل الفنان الجزائري حمدي بناني، الملقب بعميد الأغنية الأندلسية، ونستذكر في هذا التقرير سيرة أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بفن المالوف العنابي، بعدما امتدت مسيرته لأكثر من نصف قرن، حمل خلالها الموسيقى الجزائرية إلى مسارح داخل البلاد وخارجها، وترك بصمته الخاصة في هذا اللون الموسيقي.

من هو حمدي بناني؟
-وُلد حمدي بناني في مدينة عنابة شرقي الجزائر في 1 يناير 1943.
-توفي في المدينة نفسها في 21 سبتمبر 2020 عن عمر ناهز 77 عامًا.
-اسمه الحقيقي كان محمد الشريف بنّاي.
-نشأ في أسرة لها صلة بالفن؛ فوالده كان رسامًا تشكيليًا، بينما كان عمه محمد بناني نحاتًا وعازفًا على العود والزرنة ضمن فرقة الفنان محمد الكورد في أربعينيات القرن الماضي.
-ترك بناني الدراسة في سن مبكرة للمساعدة في إعالة أسرته، لكن البيئة الفنية المحيطة به ساعدته على الاقتراب من الموسيقى.
-كان لخاله الفنان محمد الكورد دور أساسي في اكتشاف موهبته، بعدما انتبه إلى جمال صوته في سنوات مراهقته وشجعه على مواصلة طريق الفن.

من المسابقات إلى الانطلاقة الحقيقية
كانت إحدى المحطات المبكرة في مسيرته مشاركته عام 1958 في مسابقة غنائية، أدى خلالها أغنية "أنا عاطفي" للمغني والممثل الفرنسي الأميركي إيدي كونستانتين، وحصل على المرتبة الأولى وفق روايات صحفية جزائرية.
لكن الانطلاقة الفنية الأبرز جاءت لاحقًا، عندما أدى أغنية "يا باهي الجمال" في مسرحية "بوس بوس" لحسن دردور عام 1963، وهي الأغنية التي ارتبطت ببدايات شهرته الواسعة، قبل أن يواصل تقديم أعمال رسخت حضوره في المالوف، من بينها "عدالة يا عدالة" و"محبوبتي" و"يا ليلي يا ليلي" و"جاني ما جاني".
وتشير مصادر جزائرية إلى أن رصيده ضم نحو 30 أغنية ناجحة في طابع المالوف، ساعدته على بناء أسلوب خاص به داخل هذا اللون.

بصمته الخاصة في المالوف
لم يكتفِ بناني بتقديم المالوف بصورته التقليدية، بل عمل على إدخال عناصر موسيقية حديثة إلى بعض أعماله.
وذكر في تصريحات صحفية أنه استخدم القيثارة وآلات موسيقية عصرية لأول مرة عام 1975، كما استعان بإيقاعات الفلامنكو في بعض المقطوعات، مع تأكيده في الوقت نفسه الحفاظ على المالوف الأصيل.
ومن أبرز التجارب التي ارتبطت بتجديده أغنية "عيون لحبارة"، التي ربطت مصادر ثقافية بين ظهورها وبين تجربة مختلفة في تلحين المالوف، بعدما شجعه الموسيقي إسكندر نقاش على تسجيل لحن كان بناني يدندن به خلال وجوده في باريس بعيدًا عن القالب التقليدي المعتاد.

الفرقاني.. علاقة فنية امتدت لعقود
ارتبط حمدي بناني بعلاقة فنية وثيقة بالفنان محمد الطاهر الفرقاني، أحد أبرز أعلام المالوف القسنطيني. وتذكر شهادة نجله الفنان سليم الفرقاني أن بناني كان تلميذًا لوالده وصديقًا مقربًا للعائلة منذ عام 1958.
ولم تكن العلاقة مجرد تعاون فني، إذ تشير روايات إلى أن بناني كان يستشير محمد الطاهر الفرقاني في عدد من المسائل الفنية، كما ساعده الفرقاني في تسجيل إحدى أسطواناته في منزله.
ومع مرور السنوات، أصبح بناني واحدًا من الفنانين الذين ساهموا في تقديم المالوف إلى جمهور أوسع خارج الجزائر، من خلال مشاركاته في الفعاليات والمهرجانات الدولية.

"الملاك الأبيض".. كمان وبدلة وهوية فنية
لم يكن لقب "الملاك الأبيض" مجرد لقب إعلامي، بل تحول إلى هوية فنية ارتبطت بحمدي بناني لعقود، فقد اعتاد الظهور ببدلة بيضاء، ويحمل كمانًا أبيض رافقه في حفلاته ومسيرته الفنية.
وتشير مصادر ثقافية إلى أن الكمان الأبيض الذي استخدمه كان من طراز "ستراديفاريوس"، وصُنع خصيصًا له وزُوّد بمكبر صوت داخلي.
كما ارتبط اللون الأبيض بالنسبة إليه برمزية السلام، حتى أصبح جزءًا أساسيًا من صورته أمام الجمهور.
وخلال مسيرته، أحيا بناني حفلات في مدن فرنسية عدة، بينها باريس وليون ومرسيليا وتولوز، كما شارك في حفلات وتظاهرات في كندا وتونس ودول أخرى، وحظي بحضور خاص لدى الجالية الجزائرية في الخارج.

نهاية المسيرة وبقاء الإرث
حصل حمدي بناني على تكريمات عدة خلال مسيرته، من أبرزها تكريم الرئيس الجزائري الأسبق عبد العزيز بوتفليقة عام 2004.
كما كُرّم عام 2006 بمناسبة يوم الفنان، وحصل مع عدد من الفنانين الجزائريين على وسام الاستحقاق الوطني عام 2017 وفق مصادر صحفية.
وفي نوفمبر 2018، قلّد السفير الفرنسي في الجزائر بناني وسام الفنون والآداب الفرنسي، تقديرًا لمسيرته وإسهاماته الفنية.
وقبل رحيله بأسابيع، كُرّم في عنابة من وزيرة الثقافة الجزائرية مليكة بن دودة في 25 أغسطس 2020، وكان ذلك آخر ظهور علني له.
وفي 21 سبتمبر 2020، توفي حمدي بناني في مستشفى ابن سينا بمدينة عنابة، بعد تدهور حالته الصحية، وأعلنت مصادر جزائرية وقتها وفاته متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا. ودُفن في مقبرة سيدي عيسى بمدينة عنابة.
وبعد رحيله، استمرت الاحتفاءات بإرثه؛ إذ خصصت تظاهرات ثقافية وفنية في عنابة فعاليات لإحياء ذكراه، من بينها طبعة من فعالية "الحضرة" أهديت لروحه بمشاركة عدد من فناني المالوف.
التعليقات