من القرية إلى الساحل، من الترعة إلى البحر، من مصر إلى «إيجيبت»، أتصور أن تلك كانت المعادلة العميقة التى تعامل من خلالها المخرج طارق العريان مع أغنية «لولا البنات يا وله» التى كتبها مصطفى البرنس تلحين وغناء عمرو دياب.
فى توقيت يشعر فيه الناس أن هناك خطاً صارماً، يمنح قطاعاً محدوداً جداً من المصريين كل أسباب السعادة، بينما باقى الشعب يعيش محروماً، حتى من الهواء، زيادة سعر فاتورة الكهرباء حال بينهم وتلك المتعة، فهم لا يزالون متعثرين فى دفع فاتورة الشهر الماضى، طارق منح المصريين الفرصة لكى يروا أنفسهم متصدرين المشهد فى الساحل مع نسمات هواء مجانية.
الأغنية بها مسحة من الزمن القديم، لا شعورياً بمجرد استماعى، تذكرت «أغنية يا وله يا وله / ارحمنى يا وله» لعبد الغنى السيد، وهى واحدة من أجرأ الأغنيات التى صاغها ببراعة أبو السعود الإبيارى ولحنها محمود الشريف، تتغزل فى المرأة بكلمات غير مسبوقة ومؤكد غير ملحوقة، «يا بتاع التفاح / لون تفاحك راح / فى خدود ست الكل»، «يا بتاع الرمان / رمانك غلبان / بص علينا وطل»، وأظنكم تعلمون ما الذى يعنيه الرمان فى الثقافة الشعبية، شاركته بالرقص حورية محمد، كل راقصات مصر تسابقن عليها، وكثيراً ما شهدت أقسام الشرطة خناقات عن من الراقصة صاحبة الحق الحصرى فى أدائها.
نداء «يا وله» يليق جداً عندما تطلقه على فتاة رائعة الجمال، عمرو دياب عندما تحمس لتلحين الكلمات، تلبسته تلك الروح الشعبية، وقدم جملة لحنية دارجة سهلة الترديد، موهبة التلحين أصيلة وصادقة بداخل عمرو، وهى التى تمكنه أيضاً من اختيار الأفضل من أنغام الآخرين، التى تساهم فى تجدده وتضعه دائماً فى أول الصف.
الحس الشعبى فى الكلمة واللحن أحالته رؤية العريان، إلى إحساس ريفى راقٍ، يذكرك بتلك الإطلالة الرائعة التى كانت تقدمها فى مطلع الستينيات فرقة رضا، وكيف كان العبقرى الرائع محمود رضا مخرج وقائد الفرقة، يحقق الهارمونية بين الملابس المبهجة، مع إيقاع الخطوة، سحر الكاميرا الذى يمتلكه العريان، يصدر لك مفردات أخرى بحجم اللقطة والتعبير المكثف، والنظرة التى تقول ولا تقول، والإيقاع اللاهث، حالة الأرض البكر التى ترى فيها البنات «المتبخرات» من البخور، اللاتى يتصدرن الكادر، وكما كانت فريدة فهمى تتصدر المسرح، فإن لجين خليفة تقف فى المقدمة، وتلك هى عين المخرج، بين عشرات وربما مئات من الوجوه، وجد أنها القادرة على سرقة القلوب، بملامحها المصرية، لا تضع أبداً فى المعادلة ما تم نشره بعد ذلك أنها توجت بلقب «ملكة جمال مصر للسياحة»، العريان شاهد وجوه أجمل، هذه المرة كان الفيصل، التعبير عن بنت البلد، فى إطارها المبهج الفولكلورى، الذى نوقن جميعاً أنه لا يوجد أصل له، ولكنه خيال جامح ارتضينا به وتوارثناه.
نجح رهان عمرو دياب منذ اختياره الكلمة، والجملة اللحنية التى تصل للملايين، فيشعرون بعده مباشرة بالألفة.
الزمن طرح لنا تقنية «الفيديو كليب» ليمنح للأغنية نافذة أخرى، ليست كل الأغنيات صالحة للتعبير عنها بالصورة، المخرج الموهوب قادر على الوصول إلى تلك اللمحة الكامنة لتصبح هى المعادل الموضوعى بصرياً، ويتحقق الانتشار خلال «فيمتو ثانية»، ولهذا صدقنا جميعاً الوهم الجميل فى «لولا البنات يا وله» وجاءت نسمات الهواء تتسلل إلينا وتنعشنا!.
التعليقات