قبل نحو ١٠ سنوات، حكت لى الفنانة القديرة، رجاء الجداوي، هذا الموقف، فأثناء تصوير أحد المسلسلات، فى فترة الراحة بين مشهد وآخر، كانت رجاء تجلس فى صحبة الفنانين القديرين عبدالرحمن أبوزهرة وجمال إسماعيل، فجأة دخل بطل المسلسل، النجم الشاب، وأراد الاستظراف، وقال ضاحكا: (أنا كده دخلت غلط قهوة المعاشات).
الدهشة ألزمتهم الصمت، وانتهى (البريك) فترة الراحة، وعاد فريق العمل لاستكمال التصوير، الذى كان يجمع بالمصادفة بين نجم العمل الشاب وأبوزهرة. تلعثم النجم، وأُعيد المشهد عشرات المرات، فقال له (أبوزهرة) ساخرا: (عشان تتعلم التمثيل، عدِّى علينا يوميا قهوة المعاشات، والمشاريب علينا).
أبوزهرة أطلق شحنة الغضب، فى وجه مَن يستحقها، بينما النجم الشاب الذى لا يزال مطلوبا من شركات الإنتاج، لا أدرى يقينا هل تعلم من الدرس أم لا؟. أتصور أنه مادام فى الملعب فقد تعلم.
هل هذا يعنى أن الكبار دائما على حق؟. قطعا لا، هم أيضا يخطئون، فى حالة واحدة، فلو لم يحدثوا أدواتهم الإبداعية. أكثر الفنون التى تتأثر بمتغيرات الحياة هو (فن التشخيص). التمثيل فى عمقه يعبر عن علاقة مباشرة مع الحياة. أدوات التعبير بالكلمة والأداء الجسدى تتغير ليس فقط من حقبة إلى أخرى، ولكن أحيانا فى غضون عام أو اثنين تنقلب (الأبجدية)، ما يمنح الفنان فى كل المجالات القدرة على البقاء داخل الملعب، ويقع فى المقدمة فن التمثيل، أن يظل قادرا على الاستقبال، (فسيولوجيا)، أدوات الاستقبال بحكم العمر الافتراضى تتضاءل كفاءتها، حواس مثل النظر والسمع والتذوق تتراجع عن معدلاتها الطبيعية، إلا أن الفنان كلما أنعش ذاكرته،
وأضاف الجديد، وأنصت لكل ما يجرى حوله فسوف يتمكن من إشعال جذوة المقاومة، أول سلاح هو أن يظل على تواصل مع مفردات الحياة، يتابع كل ما هو جديد ولا يتعالى أبدا عليه.
لدينا أسوة حسنة فى الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب، الذى ظل حتى بلغ التسعين يتابع كل شىء، لا يوجد مطرب جديد أحدث فارقا فى الشارع إلا واستمع عليه ولا ملحن تغنى الناس بأنغامه إلا وتعرف على ألحانه. روت الفنانة شريفة فاضل أنه عندما بدأت نجومية أحمد عدوية تفرض نفسها فى مطلع السبعينيات من القرن الماضى، وكان يغنى فى ملهى (الليل) الذى تملكه شريفة، عرف منها موعد غنائه، كان من الممكن ببساطة أن يطلب عبدالوهاب من عدوية الحضور إلى بيته ليستمع إليه، وكان عدوية سيلبى الدعوة وهو سعيد وفخور بلقاء موسيقار الأجيال.
أراد عبدالوهاب أن يكتشف الصوت فى مكانه الطبيعى، صحيح أنه لم يلحن له، بينما لحن لعدوية الكبار أمثال بليغ حمدى وسيد مكاوى وكمال الطويل، إلا أن عبدالوهاب كان يبحث عن نغمة مختلفة يقدمها عدوية، لم يعثر عليها، فلقد سبق لعبدالوهاب التلحين مثلا لنجوم المونولوج أمثال شكوكو وإسماعيل ياسين وإلياس مؤدب وغيرهم، ولكنه أشاد بصوت عدوية فى أكثر من حوار، بينما عبدالحليم لم يكتفِ فى عام ١٩٧٦ بالذهاب إلى عدوية فى أحد الفنادق الكبرى، بل غنى معه (السح الدح امبوه).
صحيح أنه أنكر ذلك، واعتبرها (فبركة) صحفية، ولكن بعد رحيل عبدالحليم تأكدت الواقعة. الكبار يظلون كبارا أيضا فى إبداعهم ماداموا حرصوا على متابعة كل ما يجرى على الساحة بدون تعالٍ، وعلى الشباب أن يذهبوا بين الحين والآخر إلى (قهوة المعاشات) لكى يتعلموا!!.
التعليقات