في أجواء امتزج فيها الشعر بالتراث والذاكرة الثقافية، استضافت منغوليا حفل تقديم "جائزة البردية الذهبية"، وهي إحدى مبادرات مشروع أدب طريق الحرير، وذلك خلال مهرجان "إيخ نوتاغ" الدولي للشعر، وجاء الحفل ضمن الاحتفالات بالذكرى الـ120 لميلاد داشدورجين ناتساغدورج، أحد أبرز رموز الأدب والشعر المنغولي الحديث.
وحمل حفل الجائزة دلالة تتجاوز تكريم الإنجازات الأدبية والثقافية الفردية، إذ أعاد التأكيد على أن طريق الحرير لم يكن مجرد طريق تاريخي للتجارة، بل فضاءً واسعاً لتبادل الأفكار والثقافات والتقاليد والآداب، وفي هذا السياق، يظل الشعر أحد أقوى الجسور الإنسانية القادرة على تجاوز الحدود وإعادة وصل الشعوب من خلال الذاكرة الثقافية المشتركة.
أربعة فائزين على منصة "البردية الذهبية"
مُنحت "جائزة البردية الذهبية" لأربع شخصيات أدبية وثقافية بارزة، تقديراً لإسهاماتها في الأدب والحوار الثقافي والحفاظ على التراث وتعزيز التواصل الدولي بين الشعوب.
والفائزون هم:
مارغريتا آل، رئيسة المنظمة العالمية للكتّاب (WOW)، وهي شاعرة وفيلسوفة وناقدة أدبية وباحثة، تجمع أعمالها بين الشعر والفلسفة والفكر الميتافيزيقي.
إيلينا أولزيفنا، أمينة الأدب العالمي في الجمعية العالمية لدول أوروبا وآسيا وأفريقيا، تقديراً لإسهامها في تعزيز التعاون الأدبي والثقافي الدولي.
بوريفجافين غيريلت-أود، رئيسة الاتحاد الموحد للتراث الثقافي للشعوب الرحّل ذات الأصول المنغولية، تقديراً لجهودها في الحفاظ على التراث الثقافي المنغولي وتراث الشعوب الرحّل والترويج له ونقله إلى الأجيال المقبلة.
تسيدند-إيش، الشاعر والفنان المخضرم من منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم في الصين، الذي تمثل مسيرته امتداداً حياً للشعر والتراث الثقافي المنغولي عبر الحدود الجغرافية.
وقدّم الجوائز الدكتور أشرف أبو اليزيد، رئيس تحرير مشروع أدب طريق الحرير التابع لليونسكو، والأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة، خلال فعاليات المهرجان.
وهكذا جمع الحفل أصواتاً أدبية من دوائر ثقافية مختلفة، ليشكّل نقطة التقاء رمزية بين التقاليد الثقافية العربية والأفريقية والآسيوية الوسطى والمنغولية والصينية.

جائزة متجذرة في ذاكرة الحضارة
تستمد "جائزة البردية الذهبية" رمزيتها من رمزين بارزين مرتبطين بالحضارة المصرية القديمة: حورس، الإله الصقر الذي ترمز عينه اليقظة إلى الرؤية والحكمة والحماية، والبردي، مادة الكتابة القديمة التي أصبحت واحدة من أقدم وأهم الوسائل التي استخدمتها البشرية لتسجيل المعرفة والذاكرة والخيال.
ومن ثم، تتجاوز فلسفة الجائزة مجرد تكريم الكتّاب، إذ تسعى إلى إعادة ربط الأدب المعاصر بالجذور الأولى للحضارة الإنسانية، حين ظهرت الكتابة وسيلةً لحفظ الذاكرة ونقل المعرفة من جيل إلى آخر.
وتجسّد "البردية الذهبية" قناعة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، مفادها أن الأدب قادر على عبور الحدود، وحفظ الحضارات، وجمع الشعوب من خلال القوة الدائمة للكلمة المكتوبة.
وجسّد تكريم أربعة كتّاب وشخصيات ثقافية من خلفيات جغرافية وثقافية مختلفة، في منغوليا وخلال احتفال كبير بالشعر المنغولي، هذه الفلسفة بصورة ملموسة.
فالأدب العظيم، وفق هذه الرؤية، لا ينتمي إلى أمة واحدة، بل يشكل جزءاً من الإرث الإنساني المشترك.

من ناتساغدورج إلى أدب العالم
اكتسب تقديم "جائزة البردية الذهبية" بعداً إضافياً، لكونه جاء ضمن الاحتفالات بالذكرى الـ120 لميلاد داشدورجين ناتساغدورج.
ويحتل ناتساغدورج مكانة مركزية في الذاكرة الأدبية لمنغوليا، إذ أسهم شعره وكتاباته في تشكيل الأدب المنغولي الحديث، ولا يزال يمثل مرجعاً مهماً في الهوية الثقافية للبلاد.
ومن ثم، لم يكن الاحتفاء بإرثه مجرد استعادة لسيرة شاعر عظيم من الماضي، بل أتاح أيضاً فرصة لتقديم الأدب والتراث الثقافي المنغولي إلى العالم، وفتح حوار بين الإرث الأدبي لمنغوليا والأدب الدولي المعاصر.
وفي هذا السياق، أصبحت "جائزة البردية الذهبية" جزءاً طبيعياً من الاحتفال، حيث التقى رمز مصري للكتابة القديمة بالإرث الشعري المنغولي، عبر المسارات الثقافية التي يمثلها طريق الحرير.

تكريم يتجاوز الحدود
لم تمنع المسافات الجغرافية التي تفصل بين الفائزين الجائزة من الوصول إلى كل منهم.
ونظراً إلى عدم تمكن تسيدند-إيش من حضور الحفل شخصياً، تسلّم جائزته نيابة عنه ش، مندبايار، رئيس فرع منغوليا للاتحاد الموحد للتراث الثقافي للشعوب الرحّل ذات الأصول المنغولية في منغوليا الداخلية، على أن يسلمها لاحقاً إلى الشاعر والفنان.
وعكست هذه اللفتة جوهر "جائزة البردية الذهبية"، القائم على أن الثقافة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، وأن التكريم يصل إلى المبدع أينما كان، باعتبار الأدب والتراث فضاءين مفتوحين للتواصل بين الشعوب.
وبذلك، جمع الحفل في منغوليا بين رمزين ثقافيين قويين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكن يربطهما تاريخ الحضارة: البردي المصري الذي يمثل ذاكرة الكتابة القديمة، والشعر المنغولي الذي يجسد الذاكرة المتوارثة لشعب وتراثه البدوي.
وفي قلب هذا اللقاء، بدا مشروع أدب طريق الحرير وكأنه يستعيد الوظيفة الأكثر رسوخاً لطريق الحرير القديم؛ فلم يكن دوره مقتصراً على انتقال الحرير والتوابل والبضائع، بل شمل أيضاً انتقال الأفكار والكلمات والقصائد والتقاليد والذاكرة الإنسانية من حضارة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر.
وهكذا، تحولت "جائزة البردية الذهبية"، التي قُدمت في منغوليا خلال الاحتفال بالذكرى الـ120 لميلاد ناتساغدورج، إلى ما هو أبعد من مجرد تكريم أدبي؛ إذ حملت رسالة ثقافية مفادها أن حضارات طريق الحرير لا تزال تتحاور فيما بينها، وأن الأدب يظل إحدى أكثر لغاتها تعبيراً وبلاغةً.

التعليقات