تحل غدًا الأحد 23 أغسطس، ذكرى مرور 100 عام على وفاة النجم الإيطالي رودولف فالنتينو، أحد أبرز رموز السينما الصامتة وأوائل نجوم هوليوود الذين تحولوا إلى ظاهرة جماهيرية عالمية، بعدما صنع خلال حياة قصيرة لم تتجاوز 31 عامًا صورة "العاشق اللاتيني" التي ظلت مرتبطة باسمه حتى بعد مرور قرن على رحيله.

من هو رودولف فالنتينو؟
-وُلد رودولف فالنتينو في 6 مايو 1895 بمدينة كاستيلانيتا في إقليم بوليا الإيطالي، لأب إيطالي وأم فرنسية.
-حمل عند مولده اسمًا طويلًا هو "رودولفو ألفونسو رافايلو بيير فيليبيرت غولييلمي دي فالنتينا دانتونغولا".
-فقد والده في سن مبكرة، ولم يكن متفوقًا في دراسته، قبل أن يتجه إلى دراسة الزراعة.
-بعد تجربة قصيرة في باريس وعودته إلى إيطاليا، قرر السفر إلى الولايات المتحدة عام 1913، لتبدأ رحلة ستنقله من حياة شديدة الصعوبة إلى قمة هوليوود.

عامل بسيط وراقص قبل الشهرة
لم يبدأ فالنتينو حياته الأمريكية نجمًا؛ إذ عمل في وظائف متواضعة، من بينها غسل الصحون والبستنة، قبل أن يستفيد من موهبته في الرقص ويعمل "راقصًا بالأجر" في نيويورك، يرافق السيدات في الرقص مقابل مبلغ مالي عن كل رقصة.
وساعدته وسامته وموهبته على الانتقال تدريجيًا إلى أوساط المجتمع الراقي في نيويورك، لكن حياته هناك لم تخلُ من الأزمات، فبعد تورطه في فضيحة اجتماعية مرتبطة بعلاقته بسيدة متزوجة، غادر المدينة متجهًا إلى سان فرانسيسكو.

هوليوود تفتح أبوابها
في سان فرانسيسكو، التقى الممثل نورمان كيري، الذي شجعه على تجربة حظه في السينما الصامتة، فتوجه إلى لوس أنجلوس وبدأ طرق أبواب الاستوديوهات.
ملامحه المختلفة والجذابة لم تمنحه البطولة في البداية، بل جعلت المنتجين يسندون إليه غالبًا أدوار الأشرار والشخصيات الغامضة، وشارك في عدد من الأفلام محدودة الإنتاج قبل أن تأتي الفرصة التي غيرت حياته.

شخصية "خوليو"
كانت كاتبة السيناريو والمنتجة جون ماثيس صاحبة دور محوري في صعود فالنتينو، بعدما شاهدته في دور صغير بفيلم "Eyes of Youth"، واختارته لأداء شخصية "خوليو" في فيلم "The Four Horsemen of the Apocalypse" عام 1921، رغم تحفظ بعض مسؤولي الاستوديو على إسناد الدور إلى ممثل غير معروف.
حقق الفيلم نجاحًا هائلًا، وقفز بفالنتينو إلى مصاف النجوم، وساهم مشهد رقص التانغو الشهير فيه في تعزيز صورته باعتباره رمزًا للرومانسية والجاذبية، حتى ارتبط به لقب "العاشق اللاتيني".

لقب "الشيخ"
في العام نفسه، لعب فالنتينو أشهر أدواره في فيلم "The Sheik"، الذي تحول إلى ظاهرة جماهيرية، وجعل صورة "الشيخ" ملازمة له لسنوات، حتى أصبح اللقب واحدًا من أشهر الأسماء التي عُرف بها إلى جانب "العاشق العظيم" و"العاشق اللاتيني".
وتوالت نجاحاته بعد ذلك، ومن أبرزها "Blood and Sand" عام 1922، قبل أن يدخل في صراعات مع شركات الإنتاج بسبب رغبته في الحصول على مساحة أكبر من التحكم الفني في أفلامه.

"إضراب رجل واحد" ضد هوليوود
رفض فالنتينو تنفيذ أحد الأفلام التي أراد الاستوديو إلزامه بها، وأعلن ما عُرف آنذاك بـ"إضراب الرجل الواحد"، حتى إنه توقف عن تقاضي راتبه رغم معاناته من الديون.
وأكد أن خلافه لم يكن بسبب المال، وإنما من أجل الحرية الفنية، وهو ما ظهر عندما رفض عرضًا وصل إلى 7 آلاف دولار أسبوعيًا، وهو مبلغ ضخم للغاية بمعايير عشرينيات القرن الماضي.
وخلال ابتعاده عن السينما، كتب الشعر وأجرى المقابلات الصحفية، كما شارك في جولة رقص ناجحة في أنحاء الولايات المتحدة برفقة زوجته ناتاشا رامبوفا.

حياة عاطفية مضطربة
لم تكن حياة فالنتينو الخاصة أقل إثارة من أفلامه؛ فتزوج للمرة الأولى الممثلة جين آكر عام 1919، لكن الزواج انهار فعليًا بعد ساعات قليلة فقط، بعدما أغلقت آكر باب غرفة الفندق في وجهه ليلة زفافهما، وانفصلا لاحقًا قبل إتمام الطلاق رسميًا.
ثم ارتبط بناتاشا رامبوفا، التي أصبحت شريكة حياته وأحد أبرز المؤثرين في مسيرته الفنية. وتزوجا في المكسيك عام 1922، قبل اكتمال المدة القانونية المطلوبة بعد طلاقه الأول، ما أدى إلى اتهامه بتعدد الزوجات واحتجازه لفترة قصيرة.
وأعاد الاثنان الزواج بصورة قانونية لاحقًا، لكن العلاقة تدهورت تدريجيًا وسط الخلافات الشخصية والمهنية، وانتهت بالطلاق عام 1926.

عودة ناجحة قبل النهاية
بعد سلسلة من الإخفاقات، عاد فالنتينو بقوة في فيلم "The Eagle" عام 1925، ثم شرع في تصوير "The Son of the Sheik"، الجزء الثاني من فيلمه الأشهر.
حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا وأعاد تأكيد مكانته، لكن المفارقة أن "ابن الشيخ" أصبح آخر أفلامه، ولم يعش فالنتينو طويلًا ليستمتع بنجاحه.
هجوم صحفي ومعركة ملاكمة
قبل وفاته بأشهر، دخل فالنتينو في مواجهة علنية مع الصحافة الأمريكية بعدما هاجمه مقال صحفي في شيكاغو واتهمه بالمساهمة في "تأنيث الرجل الأمريكي".
غضب فالنتينو بشدة وتحدى كاتب المقال إلى نزال ملاكمة لإثبات رجولته، لكن الكاتب لم يظهر، فدخل صحفي آخر الحلبة بدلًا منه، وتمكن فالنتينو من هزيمته.

المرض الذي تجاهله
عانى فالنتينو من المرض لعدة أشهر، لكنه رفض زيارة الطبيب، حتى اشتدت آلامه بصورة كبيرة في أغسطس 1926 أثناء وجوده في نيويورك، فنُقل إلى المستشفى.
وخضع لجراحة بعدما تبينت إصابته بمشكلات خطيرة في الجهاز الهضمي، وبدت حالته في البداية مستقرة، حتى إن الأطباء أصدروا تقارير متفائلة، وكان فالنتينو نفسه مقتنعًا بأنه سيغادر المستشفى سريعًا.
لكن حالته تدهورت بعد أيام، وأصيب بعدوى ومضاعفات خطيرة، وتوفي في 23 أغسطس 1926 عن عمر ناهز 31 عامًا. وتشير البيانات الواردة في سيرته إلى أن سبب الوفاة كان تمزق قرحة بالمعدة والتهاب الصفاق العام.

80 ألف مشيع وفوضى في نيويورك
أحدث نبأ وفاته صدمة هائلة، وتحول وداعه إلى واحد من أكثر مشاهد الحداد الجماهيري شهرة في تاريخ هوليوود المبكر، إذ تجمع عشرات الآلاف لإلقاء النظرة الأخيرة عليه في نيويورك، وتشير سيرته إلى أن عدد المشيعين وصل إلى نحو 80 ألف شخص، وكاد التدافع أن يتحول إلى أعمال شغب.
وأقيمت له جنازة في نيويورك، قبل نقل جثمانه عبر الولايات المتحدة إلى كاليفورنيا، حيث أقيمت جنازة أخرى.

نجم كبير.. ومديون حتى بعد الموت
على الرغم من شهرته الهائلة، ترك فالنتينو وراءه ديونًا ضخمة، ولم تكن تركته قادرة حتى على تحمل تكاليف ترتيبات دفنه.
وعرضت صديقته وكاتبة السيناريو جون ماثيس أحد المدافن التي كانت تمتلكها ليُدفن فيه بصورة مؤقتة، لكن وفاتها في العام التالي وتداعيات الكساد الكبير أجهضت خطط إنشاء ضريح جديد له، ليستمر جثمان فالنتينو في المكان الذي كان يفترض أن يكون مؤقتًا داخل مقبرة "هوليوود فوريفر".
المرأة الغامضة ذات الرداء الأسود
ومن أكثر القصص التي أحاطت بأسطورته غموضًا ظهور امرأة ترتدي ملابس سوداء بالكامل لسنوات في ذكرى وفاته، وتضع الزهور على قبره، دون أن تُعرف هويتها بصورة مؤكدة، لتصبح "المرأة ذات الرداء الأسود" جزءًا من الحكايات المرتبطة باسمه بعد الرحيل.

"العاشق اللاتيني" الذي لم يمت
اعتُبر فالنتينو أحد أوائل الرموز الرجالية للجاذبية في تاريخ السينما، ولم يقتصر تأثيره على الشاشة، إذ ساهم في نشر رقصة التانغو الأرجنتيني في الولايات المتحدة، ونشر عام 1923 ديوانًا صغيرًا من الشعر العاطفي بعنوان "Day Dreams"، كما سجل أغنيتين في العام نفسه.
وبعد وفاته، حصل على نجمة في ممشى المشاهير في هوليوود، وأقيم له تمثال تذكاري، وحمل جزء من أحد شوارع هوليوود اسمه، كما ظهر اسمه وصورته في العديد من الأعمال والأغنيات والتكريمات اللاحقة.
ورغم أن مسيرته السينمائية الكبرى لم تستمر سوى سنوات قليلة، فإن نحو 60% من أفلامه ظلت باقية، ومن بينها أهم أعماله، فيما بقي اسمه حاضرًا بعد قرن من وفاته بوصفه واحدًا من النجوم الذين أسسوا مفهوم "نجم السينما" كما يعرفه العالم اليوم.
مات رودولف فالنتينو في الحادية والثلاثين، لكنه ترك وراءه صورة لم تستطع مئة عام محوها؛ صورة "العاشق العظيم للشاشة الفضية" الذي خرج من إيطاليا شابًا يبحث عن فرصة، وانتهى به المطاف واحدًا من أشهر وجوه عصر السينما الصامتة.
التعليقات