يقول المولى عز وجل في محكم كتابه:
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾
[الأنعام: 18]
آيةٌ تختصر معنىً عظيمًا؛ فالله سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير، له السلطان المطلق، والحكمة المطلقة، والعلم المحيط، وهو العارف بالمصالح والأضرار، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يقدّر أمرًا إلا بعلمٍ وحكمة.
ومن هنا، ونحن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي وما بلغه من قدرة على التحليل والتنبؤ والتعلم واتخاذ بعض القرارات، فإننا نحتاج قبل كل شيء إلى أن ندرك حدود القدرة البشرية أمام القدرة الإلهية.
فالإنسان قد يصنع آلةً ذكية، وقد يطوّر خوارزميةً معقدة، وقد يمنح النظام قدرةً هائلة على معالجة البيانات، لكنه يظل إنسانًا محدود العلم والقدرة.
ومن هنا يأتي السؤال:
إذا كان الإنسان هو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، ودرّبه، وأمدّه بالبيانات، وحدد له المهام، ثم أصبح يعتمد عليه في جوانب متزايدة من حياته، فمن سيحكم من؟
هل سيبقى الإنسان هو من يحكم الآلة؟
أم أننا، مع مرور الوقت، قد نصل إلى مرحلة تصبح فيها الآلة هي التي تؤثر في قرارات الإنسان، وتوجه اختياراته، وتعيد تشكيل سلوكه، وربما تحدد له ما يرى وما يسمع وما يقرأ وما يشتري وما يعتقد أنه الأنسب له؟ وقد حصل عند الكثير هذا الأمر .
هنا تبدأ المسألة الحقيقية.
فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ؛ إنه يعمل داخل مجتمع، وداخل مؤسسات، وداخل اقتصادات، وداخل أنظمة أمنية وقانونية وإعلامية، ويتعامل مع الإنسان في تفاصيل حياته اليومية.
ولهذا فإن خطورة الذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في قدرته على إنجاز مهمة بسرعة أكبر، وإنما في القدرة التي يمكن أن يمتلكها على التأثير في الإنسان وصناعة القرار من حوله.
فإذا استخدمناه في الطب، أصبح جزءًا من منظومة صحية.
وإذا استخدمناه في التعليم، أصبح جزءًا من صناعة المعرفة.
وإذا استخدمناه في الاقتصاد، أصبح جزءًا من حركة الأسواق والاستثمار والإنتاج.
وإذا استخدمناه في الأمن، أصبح جزءًا من منظومة حماية المجتمع.
وإذا استخدمناه في التحقيقات الجنائية، أصبح جزءًا من عملية قد تؤثر في حرية إنسان وسمعته ومستقبله.
وهنا لا يعود الخطأ مجرد خطأ تقني.
فالخطأ في تطبيق ترفيهي قد يكون مزعجًا.
أما الخطأ في نظام أمني أو طبي أو قضائي، فقد تكون له نتائج تمس حياة الإنسان وحقوقه وحريته. فمن هو المُحاسب ؟
ومن هنا تظهر قاعدة مهمة:
كلما زادت قدرة الذكاء الاصطناعي، زادت مسؤولية الإنسان عن طريقة استخدامه.
ولا ينبغي أن نقع في وهم أن الآلة تتحمل المسؤولية وحدها.
فالآلة لا تضع نفسها في مؤسسة، ولا تختار بنفسها أن تستخدم في هذا المجال أو ذاك، ولا تحدد وحدها البيانات التي تتعلم منها، ولا تمنح نفسها صلاحيات الوصول إلى المعلومات.
الإنسان هو الذي يفعل ذلك.
ولهذا فإن عبارة:
«الذكاء الاصطناعي أخطأ»
لا ينبغي أن تكون نهاية السؤال.
بل يجب أن تكون بدايته:
من صممه؟
من درّبه؟
ما البيانات التي استخدمت في تدريبه؟
من اختبره؟
من منحه الصلاحية؟
من راقب أداءه؟
ومن كان مسؤولًا عندما ظهرت النتيجة الخاطئة؟
هذه الأسئلة هي جوهر المساءلة في عصر الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون قادرًا على تحليل ملايين البيانات خلال وقت قصير، لكنه لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية بدلًا عن الإنسان.
وهنا تظهر ضرورة وجود الإنسان داخل الحلقة، لا خارجها.
فالإنسان يجب أن يبقى قادرًا على المراجعة، والتدقيق، والاعتراض، والتصحيح، وإيقاف النظام عندما تكون هناك مؤشرات على الخطر.
خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس الإنسان مباشرة.
فليس كل ما تستطيع الآلة حسابه ينبغي أن تملك وحدها سلطة تقريره.
وليس كل ما تستطيع الخوارزمية التنبؤ به ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى حقيقة.
فالخوارزمية قد ترى نمطًا، لكنها لا ترى الإنسان بكل أبعاده.
وقد تتعامل مع البيانات، لكنها لا تعرف دائمًا الظروف التي أنتجت تلك البيانات.
وقد تعطي نتيجة احتمالية عالية، لكنها لا تعني بالضرورة أن النتيجة يقينية.
وهذا أمر بالغ الأهمية في المجال الجنائي.
فلو استخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الجرائم أو التنبؤ بالمخاطر أو تحديد الأنماط الإجرامية، فإن نتائجها يمكن أن تكون أداة مساعدة للمحقق أو رجل الأمن أو الخبير، لكنها لا ينبغي أن تتحول وحدها إلى حكم نهائي على إنسان.
فالإنسان ليس رقمًا في قاعدة بيانات.
والعدالة ليست معادلة حسابية فقط.
والحقيقة الجنائية لا تُختزل في مخرجات خوارزمية.
إنها تحتاج إلى التحقيق، والأدلة، والسياق، والقرائن، والضمانات القانونية، وحق الدفاع، والتقييم البشري المسؤول.
ومن هنا، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عينًا إضافية للإنسان، لكنه لا ينبغي أن يصبح ضميرًا بديلًا عنه.
وهذا يقودنا إلى قضية أخرى أكثر خطورة:
البيانات.
فالبيانات هي وقود الذكاء الاصطناعي، ومن يملك البيانات أو يتحكم في الوصول إليها يمتلك جزءًا مهمًا من القوة التقنية.
ولهذا فإن حماية البيانات لم تعد قضية تقنية فقط، بل أصبحت قضية أمنية واقتصادية واجتماعية وسيادية.
فبيانات الأفراد قد تكشف عاداتهم، وتحركاتهم، واهتماماتهم، وعلاقاتهم، وأنماط حياتهم.
وبيانات المؤسسات قد تكشف نقاط قوتها وضعفها.
وبيانات الدول قد تصبح جزءًا من منظومة الأمن الوطني.
ومن هنا، فإن الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي أصبحا مرتبطين بصورة لا يمكن فصلها بسهولة.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في اكتشاف الهجمات السيبرانية وتحليلها والتنبؤ ببعض أنماطها، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يستخدم من قبل المهاجمين لتطوير أساليب أكثر تعقيدًا.
وهكذا تصبح التقنية سلاحًا ذا وجهين:
يمكن أن تحمي بها، ويمكن أن تُهاجم بها.
يمكن أن تكشف الجريمة، ويمكن أن تُستخدم في ارتكاب جريمة.
يمكن أن تساعد المحقق، ويمكن أن يستخدمها المجرم.
يمكن أن تحمي البيانات، ويمكن أن تصبح وسيلة لاستغلالها.
ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون فقط بين الإنسان والآلة، وإنما ستكون بين إنسان يستخدم التقنية لحماية المجتمع، وإنسان آخر قد يستخدم التقنية للإضرار به.
وهنا تصبح المعرفة جزءًا من الأمن.
ويصبح الوعي جزءًا من الحماية.
وتصبح الحوكمة ليست رفاهية قانونية، بل ضرورة لحماية الإنسان والمجتمع والدولة.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟
فهذا السؤال ربما أصبح متأخرًا.
السؤال الأهم هو:
كيف نستخدمه؟ ومن يستخدمه؟ ولأي غاية؟ وتحت أي ضوابط؟ ومن يحاسب عندما يُساء استخدامه؟
إننا لا نستطيع أن نوقف عجلة التطور، ولكن نستطيع أن نضع لها مسارًا.
ولا نستطيع أن نمنع التقنية من التقدم، ولكن نستطيع أن نمنع تحولها إلى فوضى.
ولا نستطيع أن نطلب من المستقبل أن يعود إلى الماضي، ولكن نستطيع أن ندخل المستقبل بعقلٍ أكثر وعيًا، وقانونٍ أكثر نضجًا، وأمنٍ أكثر استعدادًا، وإنسانٍ أكثر مسؤولية.
فالذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للإنسان في ذاته.
إنما الخطر في الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بلا ضمير، أو بلا قانون، أو بلا مسؤولية.
وهنا تعود بنا الرحلة مرة أخرى إلى الإنسان.
فالآلة مهما بلغت من الذكاء، تبقى من صنع الإنسان.
والخوارزمية مهما بلغت من التعقيد، يبقى وراءها إنسان صممها أو دربها أو وظفها.
والبيانات مهما بلغت من الضخامة، يبقى الإنسان هو من يجمعها ويخزنها ويستخدمها ويقرر لمن تُمنح صلاحية الوصول إليها.
ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الآلة وحدها.
سيحدده الإنسان.
وسيكون السؤال الأكبر في السنوات القادمة ليس:
كم سيصبح الذكاء الاصطناعي ذكيًا؟
بل:
كم سيصبح الإنسان حكيمًا في استخدام ذكائه؟
فقد نصنع آلةً شديدة الذكاء، ثم نستخدمها بطريقة غبية.
وقد نمتلك أعقد الأنظمة التقنية، ثم نفتقد أبسط قواعد المسؤولية.
وقد نصل إلى قدرة هائلة على جمع المعلومات، ثم نعجز عن التمييز بين الحقيقة والزيف.
وقد نمنح الآلة قدرة كبيرة على اتخاذ القرار، ثم نكتشف أننا تنازلنا تدريجيًا عن قدرتنا على اتخاذه بأنفسنا.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:
ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان في بعض المهام، بل أن يصبح الإنسان أقل تفكيرًا بسبب اعتماده عليها.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب، فعلينا أن نتعلم كيف نفكر.
وإذا كان يستطيع أن يحلل، فعلينا أن نتعلم كيف نسأل.
وإذا كان يستطيع أن يقدم الإجابات، فعلينا أن نتعلم كيف نتحقق منها.
وإذا كان يستطيع أن يتنبأ، فعلينا أن نفهم أن التنبؤ ليس قدرًا محتومًا.
وإذا كان يستطيع أن يساعدنا في اتخاذ القرار، فعلينا ألا نتخلى عن مسؤوليتنا في القرار.
لذلك فإن مستقبل الإنسان لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي في كل شيء.
بل في أن يعرف متى يستخدمه، وكيف يستخدمه، ومتى يقول له: توقف.
وهذه الكلمة الأخيرة قد تكون أهم كلمة في عصر الذكاء الاصطناعي:
توقّف.
توقف عندما تنتهك الخصوصية.
توقف عندما تصبح البيانات أداةً للظلم.
توقف عندما تتحول الخوارزمية إلى وسيلة للتمييز.
توقف عندما تصبح التقنية أداةً للجريمة.
توقف عندما يصبح القرار الذي تمليه الآلة مخالفًا للحق والعدل والقانون.
وتوقف عندما يشعر الإنسان أن ما صنعه لم يعد في خدمته، وإنما بدأ يفرض نفسه عليه.
فالإنسان هو من صنع الذكاء الاصطناعي، ولذلك يجب ألا يفقد القدرة على توجيهه.
والإنسان هو من فتح له أبواب المستقبل، ولذلك عليه أن يعرف متى يفتح الباب، ومتى يغلقه.
ومن الصُّنع والاصطناع إلى الذكاء الاصطناعي، تظل القضية في جوهرها ليست قضية آلة، وإنما قضية إنسان.
إنسان يملك العلم، ويملك الإرادة، ويملك القرار.
فإن أحسن استخدام ما صنع، أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلةً للارتقاء بالإنسان.
وإن أساء استخدامه، فقد تتحول أعظم صناعة تقنية في تاريخ البشرية إلى واحدة من أكبر أدوات الخطر عليها.
ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى آلات أكثر ذكاءً فقط.
بل يحتاج إلى إنسان أكثر حكمة.
التعليقات