يبتكر القاص السعودي عبدالعزيز مشري (1955 - 2000) في قصته "النزيف" موضوعًا جديدًا لم يسبق أن عولج كثيرًا من قبل في القصة القصيرة المعاصرة، وهو موضوع "غسيل الكُلى"، ومن هنا تأتي جدة الموضوع وثراؤه سواء من الناحية الفنية أو من الناحية الواقعية، وهو - كما نرى - موضوع خصب للكتابة، وكما عودنا المشري دائما في معظم أعماله أن يتكئ على مفردات البيئة السعودية المحلية، بكل رموزها، فإنه يفعل الشيء نفسه في هذه القصة.
تبدأ القصة بمقطع غير مرقم من الشعر المنثور، أو النثر الشعري، أو التداعيات التي تتردد صداها، أو تتردد كلماتها في أماكن أخرى بالقصة، ثم يأتي مقطع آخر غير مرقم، به شكل من أشكال الحكمة أو شكل من أشكال التأمل في الناس، وفي الحياة. يقول: "إن أشد البلاءات على المرء أن يعطي الحق لمن لا يستحقه بعضه ويراه غير لائق لتقبله". يليه عودة إلى النثر الشعري: "خذ هذا الصباح المعبَّأ بالبياض والدبيب والأشجار المورقة والبدايات الجامدة". يليه شكل من أشكال البوح الذاتي والمناجاة: "أشياء تشبه الرشاوي تأتيك كالطيف مرة، وكالاستقراء مرة، وكالتباشير الآنية مرة، فتحفر عظامك الطرية .. الخ".
وحتى هذه اللحظة من القراءة تشعر أنه لا قصة أمامنا، وأن كل الأشكال الكتابية السابقة لا شكل أدبيًّا مقننًا لها، إلى أن يبدأ المقطع الثالث غير المرقم، فنشعر أن تيار القصة أو كهرباءها بدأت تسري في هذا الشكل الكتابي الذي أمامنا، وبالتالي بدأت تسري في وعينا القرائي من خلال بداية فعلية لموضوع قصصي معين، ونحس أن المقطعين السابقين ما هما إلا مدخل أو باب مفتوح للولوج إلى العالم القصصي حيث يبدأ السرد القصصي والحوار والوصف الجيد للأشياء وللناس ولوجوه الممرضات التي كأنما قُدت من خشب، وحيث يبدأ هدير الماكينة التي سيغسل بطل القصة والمرضى الآخرون دمهم عليها.
إن القاص يضعنا في بؤرة عالمه القصصي الجديد على كثيرين منا، وهو عالم درسه جيدًا، ودرس مفرداته قبل أن يكتب لنا عنه، لذا فإنه ينجح في أن يجعل قارئه وكأنه مراقب جيد أو مشاهد يتفاعل مع الوصف والحوار والحدث، أو كأنه الشخص السابع الذي يجلس إلى جوار الأشخاص الستة، بما فيهم السارد نفسه، أو بطل القصة، فيشاهدهم ويستمع إلى حديثهم، وإلى شكواهم التي تدور في الغالب حول غلاء الدواء أو إمكانات زرع الكُلى من عدمها.
إن السارد ينجح في انتزاع المشاركة الوجدانية من القارئ عندما يذكر أن ستًّا من السنين مرت على بطل القصة، وهو يقوم فيها بغسل كليته، رغم عدم وجود أي أسلوب من أساليب التوسل أو الرجاء أو الشفقة أو الأنين أو البكاء. إنه يقدم لنا هذه الحقيقة بأسلوب محايد تماما.
ويمضي السرد بطريقة تنم عن قوة ملاحظة وكثرة احتكاك بهذا العالم الأبيض، عالم المستشفيات والأسرّة البيضاء، ينجح السارد في توظيفها بطريقة فنية، ثم يعود الحوار السريع إلى القفز مرة أخرى في أجواء القصة، ولعل سبب سرعته هو سرعة إيقاع الحدث في هذا الجزء من القصة من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنه حوار بين ممرضة فلبينية لا تجيد الحديث بالعربية، وبين بطل القصة الذي لا يريد أن يتحدث هو الآخر لدرجة أنه كان يريد أن يستفسر من الطبيب عن أشكال الدواء، ولكنه فضَّل السكوت: "لم يكلمني ولم أسأله عن شيء"، حتى المرضى هم الآخرون لا يودون الكلام، إنهم ينظرون فقط، ينظرون إلى دمائهم الذاهبة عبر خراطيم البلاستيك إلى المكائن ومنها، ويدلقون حدقاتهم إلى زميلهم المجنون في نظر الممرضة دون كلام، ثم يهبط صمت طويل. وأثناء هذا الصمت الطويل يعود القاص إلى توظيف المقطع الذي سبق أن ألمحنا إلى ترداده في أماكن أخرى من القصة.
بعد هذا الصمت والتداعيات، وبعد مرور أربع ساعات من تنظيف الدم وغسله تسأله الممرضة لماذا لا تتكلم؟ وحين يهم بالكلام تقول له: خلاص (فينيش) ثم تذهب لاستقبال مريض جديد، ولكن يبدو أنه حدث شيء غير متوقع، لقد حدث النزيف الذي نبهنا إليه القاص في العنوان "وكان الدم ينزف دون انقطاع ولا حياء فاصطبغ ثوبي الأبيض واحمرَّ بياض الغطاء إلا قليلا". وكان رد فعل الممرضة عبارة عن عدد لا يحصى من "أوه سوري أوه". وفي الخارج كان نفر من الممرضات ينثرن ابتسامات بيضاء دون مناسبة.
لقد أدت جدلية أو ثنائية الأبيض والأحمر، فضلا عن جدلية أو ثنائية الصمت والكلام، دورها بنجاح في هذه القصة، وكان أشد المواقف جدلا ودرامية بل ورمزيَّة، منظر الدم النازف الذي خضَّب الثوب الأبيض في مقابل عدد لا يحصى من "أوه سوري أوه"، وعدم رغبة البطل في الكلام مقابل الابتسامات البيضاء المنثورة، والتي يقول عنها السارد إنها "بدون مناسبة"، ولكني أقول إن لها مناسبتها العبثية الخطيرة أمام هذا النزيف الدموي الحاد.
يذكر أن عبدالعزيز بن صالح مشري (1953-2000)، قاص وروائي وفنان تشكيلي، يُعد من رواد التجريب الروائي في المملكة العربية السعودية، ومن أوائل كُتَّاب الرواية والقصة القصيرة في السعودية. ألَّف ونشر نحو 17 كتابًا على امتداد 29 عامًا، فيما يُعد من أوائل كُتَّاب أدب العُزلة في السعودية، وعلى الرغم من مقاومته لمرضه المزمن، إلا أن أدبه يكشف معاناته النفسية والجسدية، كما ارتبطت كتاباته على النقيض بحياة القرى ومباهجها. بعد وفاته صدرت له الأعمال الكاملة في أربعة مجلدات، آخرها نُشر عام 2012.
التعليقات