لا تسير الحياة على مهل كما يخيل إلينا، بل تتسرب من بين أيدينا بهدوء سريع لا ننتبه إليه إلا متأخرين. نستيقظ على صوت المنبه معلنًا بداية يوم جديد، ثم لا نلبث أن نطويه متعجبين من سرعته، وكأن الزمن يمضي خفيفًا فوق أكتافنا المثقلة بالمهام. تتراكم الساعات في جداول العمل، وتتشابك الالتزامات حول أعناقنا، فنجد أنفسنا منخرطين في سباق لا نذكر لحظة انطلاقه ولا نرى خط نهايته. قد نحقق إنجازات متتالية ونحصد نجاحات متفاوتة، غير أن سؤالًا خافتًا يظل يلح علينا من الداخل: هل هذا هو المعنى كله، أم أن وراء هذا السعي المتواصل غاية أعمق غابت عنا وسط الضجيج؟
ليست المشكلة في كثرة ما ننجز ولا في ثقل المسؤوليات، وإنما في غياب الاتجاه الذي يضبط حركتنا ويمنحها معنى. فحين تتلاشى البوصلة تتحول الوسائل إلى غايات قائمة بذاتها، فنقيس قيمتنا بما نتقاضاه، ونختزل ذواتنا في مناصبنا، ونستمد كرامتنا من عدد ما ننجزه. عند هذه النقطة يختل التوازن، لا لأن متاع الدنيا شر في ذاته، بل لأننا رفعناه إلى منزلة لم يُخلق لها. في خضم هذا الاضطراب تبرز أمام بصري آية كريمة ترسم لي معالم الاتزان في عبارة موجزة جامعة تقول (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) فتضع أمام عيني منهجًا يعيد ترتيب أولوياتي من الجذور، محددًا الغاية ثم ضابطًا الممارسة ثم موجهًا الأثر.
تبدأ الآية بتصحيح زاوية النظر إلى ما نملك، فكل ما بأيدينا من مال، أو علم، أو صحة، أو وقت ليس ملكًا مطلقًا، بل عطاء عابر أودع في عهدتنا. والمطلوب أن نتوجه بهذه العطايا نحو أفق أبقى، لا أن ننفصل بها عن واقعنا، بل أن نعيد توجيه نياتنا بحيث يصبح العمل طريقًا للارتقاء لا مجرد وسيلة للبقاء، ويغدو النجاح مرهونًا بسلامة الوجهة قبل كثرة الحصيلة. فحين تستقر الآخرة في الوعي بوصفها معيارًا أعلى يتغير وزن الأشياء في ميزان القلب، فلا يعود المال هدفًا قائمًا بذاته، بل أداة يمكن أن ترفع صاحبها أو تثقله، ولا يصبح المنصب مجرد وجاهة، بل مسؤولية أخلاقية، ولا يتحول الوقت إلى فراغ يستهلك، بل إلى رأس مال ينبغي استثماره. وعندئذ لا تبدو الآخرة نقيضًا للدنيا، بل ميزانًا لها يضبط حركتها ويمنحها معناها.
غير أن التوجيه لا يقف عند استحضار الغاية، إذ قد يتوهم بعض الناس أن الطريق إلى السمو يمر عبر إهمال حاجات الجسد أو إقصاء متطلبات الحياة، فجاء التذكير الصريح بعدم نسيان النصيب من الدنيا ليحرر الإنسان من ثنائية متوهمة تجعله ممزقًا بين روح مجردة وجسد مثقل بالرغبات. ليس مطلوبًا أن يعيش المرء زهدًا قاسيًا ينفي الفرح، ولا انغماسًا أعمى يبتلع المعنى، بل أن يضبط العلاقة بين الطرفين بحيث تأخذ الدنيا قدرها دون أن تتصدر المشهد كله. نصيب الإنسان من الحياة حق مشروع يتمثل في العمل والمتعة المشروعة والراحة بعد التعب والابتهاج بالإنجاز، فالمشكلة لا تنشأ من التمتع، بل من الاستعباد، حين تنقلب الوسيلة إلى غاية فيفقد المرء حريته. نأكل لنحيا فإذا عشنا لنأكل اختلت المعادلة، ونعمل لنصون كرامتنا فإذا أصبحنا أسرى لعملنا تآكلت إنسانيتنا. التوازن هنا ليس حسابًا عدديًا للوقت بقدر ما هو ترتيب داخلي للمعنى يجعل الفعل اليومي مشدودًا إلى غاية أسمى مهما بدا دنيويًا في ظاهره.
ثم تأتي الدعوة إلى الإحسان لتمنع هذا التوازن من أن ينغلق على الذات، فالسعي إلى النجاة الفردية وضبط الحاجات الشخصية لا يكتملان إلا حين ينعكسان خيرًا على الآخرين. الإحسان ليس ترفًا أخلاقيًا، بل روح المنظومة كلها، فهو أن يؤدي الإنسان عمله بإتقان وإن غاب الرقيب، وأن يعامل الناس بلطف يتجاوز حسابات المصلحة الضيقة، وأن يكون أمينًا في زمن الالتفاف ورحيمًا في زمن القسوة. إنه شكر عملي على ما أفيض عليه من نعم، إذ كما أحسن الله إليه بالعطاء يحسن هو بالفعل والعطاء. بهذه الرؤية يعاد تعريف النجاح فلا يقاس بما يملكه المرء، بل بسلامة اتجاهه، ولا بما يملأ به جدوله، بل بما يملأ به أفعاله من معنى، ولا بسبقه للآخرين في مضمار لا ينتهي، بل ببلوغه حالة انسجام داخلي تجعله مطمئنًا إلى موقعه من الطريق.
كثير من قلق العصر لا ينبع من كثرة الأعباء، بل من خواء المعنى، فالعمل حين ينفصل عن أفقه يتحول إلى حمل ثقيل، والاستهلاك حين ينفلت من ضابطه يغدو إدمانًا لا يشبع. أما إذا ارتبط الجهد بهدف أسمى تبدل الإحساس، فصار التعب رسالة والصبر استثمارًا والعطاء امتدادًا للذات لا استنزافًا لها. الحياة ستبقى مليئة بالتحديات ولن تتوقف متطلبات المهنة والأسرة، غير أن الفارق يكمن في الموقع الداخلي الذي نقف فيه ونحن نعيش كل ذلك، هل نتحرك بوعي يوجه ما نملك أم ننقاد بما بين أيدينا دون أن نشعر. كل صباح يمكن أن يكون فرصة لتجديد هذا الميزان بأن نستحضر الغاية قبل الانشغال بالتفاصيل، ونتقن أعمالنا، ونمنح من حولنا قدرًا من الإحسان، ثم نعود آخر النهار وقد تركنا أثرًا يشهد لنا.
فليست الحياة ساحة صراع بين روح ومادة ولا مواجهة بين دين ودنيا، بل مسار واحد متعدد المستويات إذا وُضع كل عنصر فيه في موضعه هدأت الفوضى الداخلية حتى وإن بقيت المشكلات قائمة. قد لا نستطيع إبطاء الزمن ولا إيقاف تعاقب الأيام، لكن بوسعنا أن نختار كيفية السير فيها، فنمضي تائهين بلا اتجاه أو نسير بوعي نحو غاية واضحة. السر ليس في تقليل الأعمال، بل في إعادة ترتيب معانيها، في أن نتوجه بما أوتينا نحو ما يبقى، وأن نأخذ من الدنيا حقنا دون أن نغرق فيها، وأن نجعل الإحسان سمتًا ملازمًا لأفعالنا. عندها تتحول الحياة من سباق مرهق إلى رحلة واعية متزنة نعيش فيها النعم بميزان دقيق فلا نستعبد لها ولا نهرب منها، بل نضعها في مكانها الصحيح ونمضي مطمئنين، وكلما أرهقنا الزحام عدنا إلى هذا الاتساق فوجدنا فيه بداية السلام الحقيقي.
ومع إطلالة شهر رمضان الكريم تتجدد أمامنا فرصة عملية لترجمة هذا الميزان إلى واقع معاش، فهو ليس مجرد موسم تعبدي عابر بل محطة سنوية لإعادة ضبط الاتجاه وتصحيح النية وترتيب العلاقة بين الغاية والوسيلة، فيه نتعلم كيف نروّض رغباتنا دون أن نلغي إنسانيتنا، وكيف نمنح أرواحنا غذاءها كما نمنح أجسادنا حقها، وكيف يتحول الإحسان من قيمة نظرية إلى ممارسة يومية تمتد في الصيام والقيام والصدقة ولين المعاملة، فهنيئًا لعموم القراء وللمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بقدوم هذا الشهر المبارك، جعله الله موسم صفاء تتوازن فيه نفوسنا وتستقيم فيه بوصلتنا ونخرج منه أكثر وعيًا بمعنى الحياة وأقرب إلى الغاية التي خُلقنا لها.
التعليقات