يوم 14 يوليو 1967 كان موقع فصيلتي (الصاعقة) غرب قناة السويس خلف كوبري الفردان بحوالي كيلومتر ونصف وقد قمنا طوال الليلة السابقة وطوال اليوم بتعميق الخنادق تحسباً لهجوم من العدو وكان خلف موقعي بعدة أمتار دبابة وأمامي حقل ألغام.
يوم 15 يوليو 1967 الساعة 12 ظهرًا سمعنا أصوات طائرات العدو المقاتلة قادمة من الشرق أعلى قناة السويس في إتجاهنا فقفز الجميع في الخنادق وشدوا أجزاء أسلحتهم للاشتباك الفوري، أما أنا فقمت بالجلوس على حافة الخندق الوسط وسط جنودي ورفعت النظارة المعظمة في اتجاه طائرات العدو حيث تعرفت فورا على أنواعها (أوراجان - سوبر مستير - مستير) وتابعتها وهي تلقي بحمولتها من القنابل مع إطلاق الصواريخ على موقع جنوب الكوبري ثم موقع خلفه ثم موقع ثالث شماله وفي كل مره أشاهد ألسنة اللهب والدخان الأسود الكثيف يرتفع مسافة نصف كيلومتر للسماء مع تطاير عواميد الكهرباء المنتشرة على أجناب الطرق الأسفلتية لنفس الارتفاع وحطام معدات ومباني.
وأثناء تركيزي على متابعة هذا الهجوم سمعت صرخة جندي في خندق مجاور يقول (حضرة الضابط قيسوني إنزل الخندق بسرعة طائرات العدو بتهاجمنا من الخلف)، فقفزت بسرعة لداخل الخندق لأرقد على أرضيته مثل جنودي وغطيت رأسي بيدي ثم سمعت صوت كالرعد يمرق أعلى رأسي ثم عدة انفجارات مدوية قريبة جداً من الخندق تلى ذلك مرور حوالي سبعة طائرات فوق موقعي وأخذت الانفجارات تتوالى وجدران الخندق تتشقق وتتساقط حولي والرمال تتساقط بغزارة على رأسي وظهري ثم بداء الدخان الأسود الكثيف ينتشر بسرعة ليحجب أشعة الشمس عن الموقع بالكامل فصدر أمر قائد السرية للجميع بالزحف على أرضية الخنادق لاتجاه الجنوب حيث توجد ترعة فقد لاحظ صعود دخان كثيف من الدبابة خلفنا مما قد ينذر بانفجارها.
فخرج جنود فصيلتي من الخنادق زحفا وبسرعة وغاصوا في الترعة لتغمرهم المياه حتى مستوي الرقاب مع الاستعداد الكامل للاشتباك لو حدث هجوم بري .. انتظرت مكاني داخل الموقع حتى تأكدت أن جنودي خرجوا من الخندق ثم بدأت أتحرك اتجاه الترعة لكني سمعت أنين ومن ينادي (حضرة الضابط قيسوني إلحقني) فإستدرت للخلف وزحفت بسرعة اتجاه الصوت لأجد الجندي عبد السلام مدفون حتى رقبته في الرمال فقد إنهارت أجناب الخندق عليه بسبب إنفجارات القنابل التي سقطت قريبة من الخنادق فقمت بسرعة بيداي في إزاحة الرمال حوله وحضر الرقيب أول عبد الخالق عندما لاحظ عدم خروجي من الخندق وساعدني في سحب عبد السلام من وسط الرمال لنتحرك بسرعة لخارج الخندق قبل حدوث إنهيار ثاني وكان الدخان الصادر من الدبابة خانق.
مكثنا في الترعة لمدة دقائق لاحظت خلالها أن النيران تزحف في اتجاه خندق ذخيرتنا وكانت طائرات العدو تعبر القناه في اتجاه الشرق فقفزت خارج الترعة وأمرت ثلاثة من جنودي بالتحرك معي لإبعاد النيران عن الذخيرة حتى لا تحدث كارثة وتمكنا من السيطرة على النيران بإلقاء كميات من الرمال وإبعادها عن موقع الذخيرة هذا بعد أن تأكد لنا أن دخان الدبابة مصدره شظيه أصابت مولد الدخان خلف الدبابة وان الدبابة سليمة والحمد لله.
بعد نصف ساعة قمت بالتتميم على الفصيلة لأجد إثنين جرحى تستدعي حالتهم النقل الفوري للمستشفى الميداني وشهيد دفن تحت رمال الخندق وعدد إثنين شهيد مزقتهم القنابل وأشلائهم الطاهره منتشره حول الموقع.
صدرت لي الأوامر بعودة فصيلتي إلى مقر قيادة الكتيبة لإنهاء المهمة التي كلفنا بها وتم استقبالنا بحفاوة فقد إعتقد الجميع أنني وكامل فصيلتي قد إستشهدنا حيث تابعوا بالنظارات المعظمة هجوم الطائرات على موقعي وإنفجارات القنابل والدخان الكثيف الذي غطى موقعنا تماما الساعة السادسة والنصف مساء ولمدة ساعتين ونصف هاجمت أكثر من عشرون من طائرات عدو مواقع بالإسماعيلية جنوبنا ومواقع بالقنطره شمالنا وشاهدنا الدخان الأسود الكثيف يتصاعد لإرتفاعات شاهقة من هذه المواقع.
ثم لاحظ الجميع إلتفاف طائرة سكاي هوك غرب موقعنا وكان واضح أنها ستمر أعلى موقعنا وعلى ارتفاع منخفض فسمعنا قائد الكتيبة يأمرنا جميعا بشد أجزاء بنادقنا الكلاشنيكوف وتوجيهها لأعلى أكثر من مائة رشاش وإطلاق كامل الذخيرة لأعلى لنشكل ما يسمي بالغلاله الثابته أي حائط ثابت من وابل الرصاص لتمر الطائره فيه وهو ما حدث فأصبنا الطائرة وشاهدنا الدخان الكثيف ينبعث من مؤخرتها وصوت يصم الآذان وأخذت تميل لأسفل لتسقط وتنفجر على الجانب الشرقي من القناه ويتمكن قائدها قبل إرتطامها بالأرض من الإنطلاق خارجها بمقعده ثم يهبط بالمظله وهو ما دفع الجميع التهليل بسعادة.
وصلتنا أنباء رائعة رفعت الروح المعنوية فقد قامت قواتنا الجوية الميج والسخوي بالرد الفوري بهجوم كاسح على خطوط العدو أمام السويس والإسماعيلية والقنطرة وكبريت وبورفؤاد وقد أخطرني زملائي فيما بعد ان مشهد طائراتنا وهي تنقض على مواقع العدو بتصميم انتقامي مذهل بالقنطرة شرق كان رائعاً وقد شاهدوا جنود العدو وهم يفرون في اتجاه العريش بمركباتهم بل وجريا على الأقدام وتم خلال هذا الهجوم إسقاط 6 طائرات للعدو وتدمير كتيبة مدرعات وكتيبة صواريخ وكتيبة مدفعية وعدة مركبات أخرى وان الإذاعات الأجنبية أعلنت ان إسرائيل طلبت من الأمم المتحده مناشدة مصر وقف إطلاق النار.. يجب ألا ننسى... الحمد لله.
ملازم أول صاعقة/ محمود عبد المنعم القيسوني.. مساء 16/07/1967
التعليقات