تم تكليفي بالسفر كمستشار عسكري للقوات الخاصة الليبية (بنغازي - طرابلس) لتدريبهم على كل ما يرتبط بالقفز بالمظلات والإسقاط الثقيل وفنون القتال باليد الخالية، مع ترجمة كل المطبوعات الخاصة بالمعدات والأجهزة والمهام العسكرية التي يتم استيرادها من عدة دول، وذلك من اللغة الإنجليزية إلى العربية، والإشراف على عملية تشييد وبناء تجهيزات التدريب الأرضي على القفز من أبراج ومروحيات الحد من سرعة الهبوط والمراجيح والمصاطب المدرجة.
والرحلة الأولى كانت للاستطلاع قصيرة من 1971/7/9 إلى 1971/7/16، أما الثانية فكانت من ديسمبر 1971 حتى مارس 1973، وكان مقدرًا لي البقاء حوالي ثلاث سنوات، لكن حدثت ظروف أدت إلى عودتي للوطن، والحمد لله حتى أتواجد مع زملائي وجنودي وأخوض حرب أكتوبر 1973 رمضان المجيدة.
أبدأ ببعض المعلومات العامة والأحداث والمواقف الهامة. أبدأ بسرد مختصر عن تاريخ وجغرافية دولة ليبيا الملاصقة والتي خضتها ولن أنساها لمصر على حدودنا الغربية أشهر رمز وطني وبطل قومي هو عمر المختار رحمه الله والملقب بأسد الصحراء وكان بطلًا وقائد المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي البشع، وبعد معارك شرسة تكبد فيها الاحتلال خسائر ضخمة تم أسره وإعدامه يوم 1931/9/16. مساحة ليبيا 1775500 كيلومتر مربع (تقريبًا ضعف مساحة مصر) لها ساحل يمتد 1820 كيلومترًا على البحر المتوسط، حدودها الجنوبية تقع مع السودان وتشاد والنيجر، أما حدودها الغربية فمع تونس والجزائر، وكان تعداد الشعب وقت إقامتي فيها هو 3506700 نسمة، وعاصمتها طرابلس.

بجوار البحيرة الواقعه تحت الأرض وسط معسكر مدرسة المظلات ببنغازي
جدير بالذكر أنه عام 1923 قام المغامر المصري أحمد باشا حسنين ومعه قافلة مكونة من 38 رجلًا و27 جملًا وحصانًا وكلبًا باختراقها خلال أطول رحلة صحراوية قام بها إنسان في التاريخ (ثمانية أشهر - 3500 كيلومتر) سيرًا على الأقدام وبالجمال وبحصان، خلالها أقام بالواحات جالو والكفرة بليبيا، واكتشف واحة وجبل أركينو يوم 1923/4/23، وواحة وجبل العوينات يوم 1923/4/30، وهو جبل جرانيتي ارتفاعه حوالي اثنين كيلومتر وقطره خمسة وعشرون كيلومترًا دائري القمة، وهو المقسم بين مصر وليبيا والسودان، وهي واحات وجبال كانت مجهولة تمامًا للعالم ولم تكن موقعة على الخرائط. وأقصى جنوب غرب ليبيا يقع جبل أكاكوس الرائع الجمال والثري برسومات إنسان ما قبل التاريخ. الطبيعة بالأراضي الليبية جميلة جدًا... فسواحلها عذراء ورمالها تقريبًا مغطاة بالأصداف البحرية مختلفة الأشكال والأحجام والألوان الرائعة، وكنت كلما سمحت الظروف أذهب بمفردي لساحل البحر لقضاء ساعات ممتعة في عزلة تامة وسط طبيعة جميلة بكل المقاييس.
وفترات أخرى كنت أتجول في الصحراء الملاصقة للوحدة العسكرية المقيم فيها لألتقي براعي غنم مسن دمث الأخلاق كان يعلمني أسلوب تعامله بطبيعة هذه الصحراء، فمثلًا كان هناك نبات يشبه الخرشوف كثيف الأوراق وله ساق خضراء طولها حوالي ثلاثون سنتيمترًا لها تاج مكور عبارة عن ثمرة في حجم كرة البنج بونج، والنبات مغطى بالكامل بالأشواك الصلبة المدببة القاسية، فكان الراعي بعصاه يفصل هذه الثمرة ويجمع عددًا منها ثم يشعل نارًا في حطب قام بتجميعه أثناء تجواله، فيلقي ثمار هذا النبات وسط النار وينتظر لعدة دقائق تحترق خلالها الأشواك المدببة المحيطة بالثمر وتلين، ثم يقوم بتجميعها وبسهولة يقوم بتقشيرها ويلتهم قلب الثمرة، وبالطبع قمت بكل هذه الخطوات وأكلت هذه الثمار ذات المذاق المعتدل والمحبب والتي تشبه طعم القثاء. بعد وصولي لبنغازي ودخولي معسكر الإقامة والتدريب واستلامي للفيلا سابقة التجهيز مقر إقامتي، قمت بجولة في أنحاء المعسكر للتعرف على الإمكانيات والتجهيزات وقاعة الطعام (الميس) الخاصة بالضباط وهنجر التدريب، ولاحظت أنه جارٍ بناء مسجد كبير داخل المعسكر، كما لاحظت وجود تجويف كبير في أرضية المعسكر بعيدًا عن المباني وأرض الطابور، ووسط التجويف سلالم واضح من خاماتها أنها تؤدي لشيء مهم.
بالطبع نزلت عليها مسافة مائتي متر في عمق الأرض، ولاحظت وجود غرفة ألواح كهربائية بعد حوالي مائة متر، أي وسط المسافة، وكان واضحًا الظلام التام والحالك بعد ذلك، فقمت بتحريك أذرع مفاتيح الكهرباء ليتم إضاءة المائة متر العميقة وأيضًا تشغيل ماكينات تكييف الهواء وتجديد هواء العمق، قمت باستكمال الهبوط لأجد أمامي ممرًا مسطحًا ذا سقف منخفض أجبرني على الانحناء (مثل الممر الصاعد لغرفة دفن خوفو فرعون مصر داخل الهرم الأكبر)، وبعد حوالي خمسين مترًا شاهدت منظرًا مذهل الجمال: بحيرة مياه عذبة ساكنة بالغة النقاء شفافة يمكن مشاهدة قاعها بوضوح، وهي بحجم ملعب كرة قدم، ذات سقف ارتفاعه حوالي عشرون مترًا، وعلى الجانب المقابل ثلاث فتحات لمغارات واضح أن إحداها مصدر هذه المياه، أي كنت أقف أمام بحيرة في عمق الأرض سبحان الله.
وخلال شهور إقامتي قمت بزيارة هذه البحيرة الجميلة عشرات المرات، وعلمت فيما بعد أن مهندسين من إيطاليا هم من قاموا ببناء السلالم والممر والمصطبة المطلة على البحيرة وتركيب الإضاءة وأجهزة التكييف والتهوية، وأن مغامرين حاولوا عدة مرات معرفة مصدر مياه البحيرة وفشلوا، وآخر محاولة كانت منذ عامين قام بها فرنسي وإيطالي بمعدات وتجهيزات وزورق زودياك، فدخلوا إحدى هذه المغارات ولم يعودوا، وواضح أن هذه المغارات متشعبة وبها تيارات مياه شديدة، كما علمت أن هذه البحيرة مسجلة دوليًا كإحدى الظواهر الطبيعية الهامة والغامضة. كنت كل حين وآخر أقوم بزيارة قنصل مصر السيد/ صلاح عابدين والملحق التجاري السيد/ سيد تاج الدين في مكاتبهم. في إحدى الأيام منتصف النهار كنت ألقي محاضرة لمجموعة من الضباط والجنود بساحة المعسكر في الهواء الطلق، فلاحظت دخول سيارتين مرسيدس سوداء للمعسكر وتوقفهما على مسافة قريبة من مكان وقوفي، وفوجئت بوالدي يخرج من العربة الأولى ومعه القنصل المصري ببنغازي السيد/ صلاح عابدين ولوح لي بيده، فطلبت من ضابط مصري زميل لي استكمال المحاضرة وهرولت لمكان وقوف الوالد، وبعد التحية طلب مني ركوب السيارة معه بينما استقل القنصل السيارة الثانية، وتحركنا لخارج المعسكر لنتجه لفندق إقامته (برنيتشي). وكانت الساعة الثالثة ظهرًا، وعندما دخلنا الجناح وأصبحنا بمفردنا وجهت له السؤال المنطقي: ما سبب حضوره لليبيا؟ فكان رده أنه موفد من الرئيس السادات لمقابلة الرئيس القذافي أو نائبه الرائد عبد السلام جلود لحاجتهم الملحّة لاستشارات اقتصادية مخلصة تضع الدخل القومي على الطريق السليم لصالح الدولة.
ثم أخطرني الوالد أنه في أشد الحاجة لتناول وجبة طعام ساخنة حتى يتمكن من تناول أدوية القلب، فأسرعت لطاقم الطهاة بالفندق وكلهم مصريون، فدخلت مطبخ الفندق حيث قابلت كبير الطهاة وعرفته بنفسي ورجوته إعداد وجبة طعام للوالد، وبترحيب واضح قام باللازم، بل وقام بنفسه بتوصيل الطعام لجناح الوالد.
وأثناء تناول الوالد للغذاء قص تفاصيل وصوله لمطار بنينة ببنغازي: فالوالد موفود من رئيس الجمهورية بناءً على طلب القذافي، وهو نائب رئيس مجلس وزراء سابق لسنين طويلة وحامل جواز سفر دبلوماسي. عندما وصلت الطائرة وبدأ الركاب في النزول ومنهم الوالد، سمع شخصًا أسفل سلم الطائرة ينادي "القيسوني... القيسوني"، فتقدم الوالد للشخص وعرفه بنفسه، فكان رد الشخص: أنا السائق الذي سينقلك للفندق، وتحرك للخروج، لكن تقدم شخص آخر للوالد وبأدب شديد قدم نفسه أنه قنصل مصر ببنغازي صلاح عابدين وأنه حضر لاستقبال الوالد، وفعلًا تحرك الوالد معه بعد أن شكر السائق، والذي أخطر الوالد أن التعليمات تفرض عليه البقاء داخل الفندق حتى يتصل به مكتب القذافي. طلب الوالد المرور على معسكر إقامتي قبل الذهاب للفندق.
بعد ذلك مرت ثلاثة أيام وهو مقيد بالبقاء بالفندق دون أن يتصل به أحد، وكنت أزوره مرتين كل يوم، فأخطرني أنه محروم حتى من مزاولة رياضة المشي اليومية، وطلب وسيلة اتصال بالرئيس السادات من تليفون غير مراقب، فقمت بالاتصال بالملحق العسكري المقدم كمال البراوي وأخطرته بطلب الوالد، فقام فورًا بإرسال سيارة نقلتنا من الفندق لمكتبه واستقبل الوالد وأدخله مكتبه ووضع التليفون أمامه بعد أن حقق اتصالًا بمكتب الرئيس السادات وتركنا المكتب ليتم الاتصال المطلوب بسرية تامة.
بعد حوالي ربع ساعة خرج الوالد وشكر الملحق العسكري وأخطرنا أن الرئيس السادات سيتصل بالقذافي فورًا لإتمام الاجتماع المنشود مساء نفس اليوم. عدنا للفندق لنجد سائقًا من طرف الرائد عبد السلام جلود نائب القذافي، والذي نقل الوالد لمقابلة جلود بمكتبه. وقد أخطرني الوالد أن الاجتماع دام ثلاث ساعات ونصف مع جلود وشخصيات من الوزارة والبنوك. ثم طلب الوالد الحجز على أول طائرة متجهة للقاهرة حتى لو كانت مساء نفس اليوم، وقد تمكنت من الحجز على الطائرة المغادرة مساء اليوم التالي. قنصل مصر دعانا لتناول الغداء قبل السفر بمقره مع أشرف مروان، وهو ما تم، ثم قمت بتوديع الوالد عند مغادرته بنغازي، وشعرت براحة عند إقلاع الطائرة لعلمي أن هذه المأمورية كانت مرهقة له.
واجب الإشارة إلى أن الرسائل المتبادلة مع السيدة قرينتي كانت دائمًا ترفع معنوياتي، فيعلم الله مدى سعادتي بتلقي رسائلها، وكنت مساء كل يوم أسرد لها في خطاباتي مشاهداتي ومعلومات سياحية عن ليبيا ومناخها وطبيعتها مع رسم النباتات التي كنت أشاهدها في الصحراء المحيطة بنا، وأيضًا تصوير بعض من المناظر الطبيعية.
كما كان وجود شقيقتي ناهد وزوجها مع مولودهم الأول سببًا في رفع معنوياتي، وبالطبع قنصل مصر ببنغازي السفير صلاح عابدين والسيد/ سيد تاج الدين الملحق التجاري، والذي عند عودته لمصر شغل منصب نائب مدير الإدارة القانونية بالمصرف العربي الدولي. وأيضًا راعي الغنم الكهل والذي كان يمر بغنمه أمام أطراف المعسكر المطل على الصحراء، فقد ارتبطت بصداقة مع هذا الرجل دمث الأخلاق، كما ارتبطت بصداقة قوية مع شيخ أزهري اسمه/ عبد المطلب صلاح، خطيب مسجد الحسين، والذي كان معارًا لليبيا ليتولى مسؤولية الخطابة بأكبر مسجد ببنغازي، وبالطبع بأعضاء البعثة زملائي من ضباط وجنود. انتهى بناء المسجد قبل حلول شهر رمضان 1972 بحوالي شهرين، فقام أحد جنودي من البعثة المصرية بالأذان لصلاة الجمعة، فتوجهنا جميعًا للمسجد، ومرت ساعة لنكتشف عدم وجود إمام يصعد للمنبر ويلقي خطبة الجمعة. فوقف الراعي صديقي وبصوت مرتفع قال: ألا يخجلكم أنكم جميعًا متعلمون ورغم ذلك لم يتقدم أحد منكم لإلقاء خطبة الجمعة ويؤم الصلاة؟ حسبي الله ونعم الوكيل. ثم استدار لجهة القبلة وصلى أربع ركعات، فقمنا جميعًا بنفس الفعل للأسف، وهو ما أثر في نفسيتي بقوة.
وعلمت بعد ذلك أن الشيخ الذي سيتولى إمامة الصلاة وخطب الجمعة والقادم من الأزهر الشريف سيصل بعد شهر رمضان، فقررت تولي هذه المسؤولية، وقمت بشراء كتاب عن أركان وشروط خطبة الجمعة وكتاب الدكتور هيكل "حياة محمد عليه الصلاة والسلام". ومساء كل يوم كنت أدرس هذه المهمة، كما كتبت خطبة الجمعة التي كانت خاصة بطفولة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قررت تقسيم قصة حياة الرسول إلى حوالي أربعة عشر خطبة.
ثم يوم الخميس التالي ذهبت للمسجد الكبير وسط مدينة بنغازي حيث التقيت بالشيخ عبد المطلب صلاح ورجوته مساعدتي بالاستماع لأول خطبة ألقيها ليصحح نطقي ويوجهني للأسلوب السليم لإلقاء خطبة الجمعة، وبعد ساعتين غادرت المسجد وعدت للمعسكر. واليوم التالي أي الجمعة اجتمع المصلون، فقمت بالصعود للمنبر وإلقاء خطبة الجمعة، وأشرت أنني سوف أسرد حياة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الثرية بالدروس وذلك طوال الشهرين القادمين، ومنهم شهر رمضان، حتى يتسلم هذه المهمة الشيخ الأزهري المنتظر.
وقد لاحظت في أيام الجمع التالية أن المصلين كانوا يصطحبون أولادهم للاستماع لتفاصيل حياة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن الأعداد أخذت تتزايد. وأذكر أن الخطبة الأخيرة الخاصة بانتقال رسولنا الكريم إلى رحمة الله تعالى أنني أمام الجميع لم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء، وواجهت صعوبة بالغة في إتمام الخطبة.
شرفني مقابلة السيد الفريق سعد الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الرجل الثاني بوزارة الحربية، والذي خطط لحرب أكتوبر بعبقرية فذة رحمه الله، وذلك أثناء زيارته لمدرسة القوات الخاصة الليبية أوائل عام 1973، وهو الذي تعرفت عليه خلال صيف 1961 بمرسى مطروح. غادرت ليبيا فجرًا على طائرة حربية، وبعد عدة ساعات كنت في القاهرة.
اليوم التالي، نهاية شهر مارس 1973، تم عرضي على السيد الفريق سعد الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والذي أكد ثقته في شخصي وطلب مني العودة إلى مدرسة المظلات المصرية لمزاولة تخصصي كمعلم قفز ومعلم فنون القتال باليد الخالية.
التعليقات