من المعروف أنه لإجادة فن الترجمة يحتاج المرء دراسة عدة سنوات جامعية حتى يجيد هذا الفن المسؤول.
وقد خضت تجربتين طريفتين في حياتي العسكرية لن أنساهما مدى حياتي الأولى كنت بسبب خلفيتي كنجل سيدة بريطانية أجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة ما كان السبب في نقلي من قوات المظلات إلى إدارة الشؤون المعنوية آخر عام ١٩٧٤ وكانت رتبتي وقتها رائد، فقد توافد لمصر أعداد كبيرة من وزراء حربية دول العالم والمؤرخين العسكريين وكبار رجال الإعلام هدفهم جميعا زيارة جبهة قناة السويس للتعرف بأرض الواقع على معجزة عبور جيش مصر لحواجز وموانع هائلة.
كان كل الخبراء العسكريين يؤكدوا استحالة عبورها ما دفع المشير الجمسي وزير الحربية إصدار أمر بتشكيل مكتب يضم ضباطا يجيدوا اللغات الأجنبية والسلوك الدبلوماسي لاستقبال هذه الوفود وترتيب برامج زيارات رفيعة المستوى تشرف مصر وكنت ضمن الضباط الذين تم اختيارهم لهذه المهمة.
وفي يوم كنت جالسا على مكتبي أكتب تقريرا عن وفد من كلية أركان حرب سانت هيرست البريطانية كان قد غادر اليوم السابق تم إبلاغي بأمر من وزير الحربية بالتحرك فورا إلى الكلية الفنية العسكرية حيث سأتلقى أوامر بمهمة مطلوب تنفيذها بالطبع تحركت فورا.
وعند بلوغي الكلية وجهتني الشرطة العسكرية لقاعة مسرح الكلية حيث وقع بصري على مجموعة من ضباط الصاعقة وسطهم قائدهم اللواء نبيل شكري جالسين على خشبة المسرح وأمامهم عدد كبير من المراسلين المصريين والأجانب بكاميراتهم التي أخذت ومضات الفلاش المتقطعة تضيء وجوه قوة الصاعقة ومعدات التصوير ووسط كل هذا وقف قائد قوات الصاعقة لينادي على شخصي قيسوني اطلع جنبنا وترجم المؤتمر وهو ما وقع كالصاعقة علي لكني بذهول نفذت الأمر لأكتشف أنني سأسرد باللغة الإنجليزية تفاصيل عملية جسورة تمت يوم ١٩٧٦/٨/٢٣ تم فيها إحباط خطف طائرة مدنية كاملة الركاب الأجانب حاول القيام بها ثلاثة إرهابيين مسلحين من مطار الأقصر وبدء المؤتمر وأثناء الترجمة نسيت عدة مرات كلمات وتعبيرات ما دفعني استخدام لغة الإشارة مثل استخدام أحد الضباط مفكا لضرب الإرهابي المجاور له فنظرت للمراسلين الأجانب وحركت سبابتي بشكل دائري ما سهل فهم المقصود و كنت أتصبب عرقا خوفا من ارتكاب أخطاء لكن الحمد لله نجحت المهمة.
التجربة الثانية وهي الأشد كانت في نهاية زيارة وفد باكستاني برئاسة المشير ضياء الحق وزير دفاع باكستان حيث أقامت السفارة الباكستانية حفل عشاء ضخم بشيراتون القاهرة دعي إليه لفيف من سفراء وزارة الخارجية المصرية ورجال الإعلام والسفراء الأجانب وقيادات القوات المسلحة المصرية وشخصي الذي تولى الإشراف الكامل على برنامج الزيارة ومعي السيدة قرينتي.
وعند انتهاء العشاء قام المشير ضياء الحق وألقى كلمة المديح والشكر للضيافة و للحفاوة التي تلقوها طوال أيام الزيارة ثم التفت للمشير الجمسي وطلب منه إلقاء كلمة فوقف وبصوته العميق الجهوري نادى على الرائد القيسوني وكنت جالسا على مائدة في آخر القاعة فنهضت فورا وأسرعت لأقف بجوار السيد المشير لتلقي أوامره فنظر لي وبصوته القوي الرنان الذي سمعه جميع الحاضرين أمرني ترجمة كلمته فنظرت لسيادته وبصوت منخفض قلت أنني لا أجيد الترجمة الفورية فكان رده هذا أمر فرجوته بصوت هامس البطء في الكلمة حتى أتمكن من الترجمة الفورية بقدر الإمكان وفعلا بدأ في إلقاء كلمته ببطء وأنا أترجم ثم تحمس وأسرع في الكلمات وبالطبع لم أتمكن من مجاراته وكان من المستحيل أن أتوقف و ألا أترجم عند توقفه وكان بالطبع معظم الحاضرين على علم باللغة العربية والإنجليزية وبدأت القاعة تضج بالضحك وكادت زوجتي تتواري أسفل المنضدة من الخجل حيث التفت لي السيد المشير وبصوته الجهوري المسموع للجميع قال لي ما تردده الآن هو ترجمة لكلمتي أم خطبة خاصة بك وهنا أخذ المشير ضياء الحق يضرب المنضدة أمامه ويضحك بصوت عال جدا والدموع تسيل من عينيه فهو يجيد اللغة العربية وسمع كلمات الجمسي فكان ردي وسط كل هذا سيادتكم أسرعت واحمر وجهي خجلا ثم ضجت القاعة بالتصفيق عندما أمرني المشير بالعودة لمائدتي وسرت وسط موائد الحاضرين منكس الرأس والتصفيق والضحك لم ينقطع.
وبعد مغادرة الجميع القاعة نظر الجمسي لقرينتي وهو يبتسم وقال معليشي فاجأت زوجك.
التعليقات