"إنت كسرت قلبي".. عبارة نسمعها كثيرًا للتعبير عن الحزن أو الصدمة العاطفية، لكن هل يمكن أن ينكسر القلب فعلًا من شدة الزعل؟
المفاجأة أن لهذه العبارة أصلًا علميًا؛ فهناك حالة طبية حقيقية تُعرف باسم متلازمة القلب المنكسر أو متلازمة تاكوتسوبو (Takotsubu cardiomyopathy)، وفيها تتأثر عضلة القلب بصورة مفاجئة ومؤقتة، غالبًا بعد التعرض لضغط نفسي جسدي شديد.
وتصيب هذه المتلازمة النساء أكثر من الرجال، ويكون معظم المصابين بها فوق سن الخمسين، كما ترتبط بصورة خاصة بالنساء بعد انقطاع الطمث. لكنها ليست حكرًا على النساء، ولا يشترط حدوثها في عمر محدد.
عندما يؤثر الزعل في القلب
قد تظهر متلازمة القلب المنكسر بعد حدث عاطفي شديد، مثل وفاة شخص عزيز أو التعرض لصدمة أو خوف أو غضب شديد، لكنها قد تحدث أيضًا بعد إجهاد جسدي قوي أو مرض أو جراحة، بل إن المحفز لا يكون واضحًا في بعض الحالات.
ولا يزال السبب الدقيق للمتلازمة غير مفهوم بصورة كاملة، لكن يُعتقد أن الارتفاع المفاجئ في هرمونات التوتر، ومنها الأدرينالين، يؤدي دورًا مهمًا في التأثير المؤقت على عضلة القلب. وقد تسهم أيضًا تغيرات مؤقتة في الأوعية الدموية الكبيرة أو الصغيرة التي تغذي القلب.
وهنا تحدث المفارقة: يصل المريض إلى المستشفى وهو يعاني أعراضًا قد تشبه إلى حد كبير أعراض الأزمة القلبية.
أعراض تشبه الجلطة
قد يشعر المريض بألم مفاجئ في الصدر وضيق في التنفس، ويمكن أن تظهر تغيرات في رسم القلب، كما قد ترتفع بعض مؤشرات إصابة عضلة القلب في الدم.
ولهذا لا يستطيع المريض، ولا ينبغي له، أن يقرر بنفسه أن ما يشعر به سببه «الحزن» أو متلازمة القلب المنكسر. فألم الصدر المفاجئ أو المستمر وضيق التنفس قد يكونان علامة على أزمة قلبية حقيقية، ويستدعيان التقييم الطبي العاجل.
ويحتاج الأطباء إلى مجموعة من الفحوص للتمييز بين الحالتين، قد تشمل رسم القلب، وتحاليل الدم، وتصوير القلب بالموجات فوق الصوتية «الإيكو»، وتصوير الشرايين التاجية، وقد تُستخدم فحوص تصوير أخرى وفقًا للحالة.
لماذا سميت «تاكوتسوبو»؟
الاسم ليس اسم الطبيب الذي اكتشف الحالة، كما قد يعتقد البعض.
كلمة Takotsubo يابانية، وتطلق على وعاء تقليدي يستخدم لصيد الأخطبوط. وفي الشكل التقليدي للمتلازمة، يظهر البطين الأيسر للقلب أثناء الانقباض بشكل يشبه هذا الوعاء، نتيجة اضطراب حركة الجزء القِمّي من عضلة القلب وتمدد هذه المنطقة.
وهذا ما يعرف بالـ Apical Ballooning.
لكن هذا ليس الشكل الوحيد للمتلازمة؛ فهناك أنماط أخرى يمكن أن تتأثر فيها مناطق مختلفة من البطين الأيسر.
الشرايين قد لا تكون مسدودة
وهنا أحد أهم الفروق بينها وبين الأزمة القلبية التقليدية.
في النوبة القلبية يكون هناك عادة انسداد أو انخفاض شديد في تدفق الدم داخل أحد الشرايين التاجية، بينما في متلازمة تاكوتسوبو لا نجد عادة انسدادًا تاجيًا حادًا يفسر نمط ضعف عضلة القلب الذي نراه.
ومع ذلك، فإن وجود مرض في الشرايين التاجية لا يستبعد بالضرورة إمكانية الإصابة بمتلازمة تاكوتسوبو؛ ولذلك يعتمد التشخيص على الصورة الطبية الكاملة وليس على فحص واحد فقط.
هل يمكن أن تضعف عضلة القلب بشدة؟
نعم.
قد تؤدي المتلازمة في المرحلة الحادة إلى انخفاض واضح في قدرة البطين الأيسر على ضخ الدم، وقد يصاب بعض المرضى بفشل حاد ومؤقت في عضلة القلب، ما يسبب ضيقًا شديدًا في التنفس وأعراضًا أخرى.
ورغم أن معظم المرضى يتعافون، فلا ينبغي اعتبار متلازمة القلب المنكسر حالة بسيطة دائمًا؛ ففي بعض الحالات يمكن أن تحدث مضاعفات خطيرة مثل اضطرابات ضربات القلب، أو انخفاض ضغط الدم، أو تجمع السوائل في الرئتين، أو الصدمة القلبية، أو تكوّن جلطات داخل القلب.
هل يعود القلب إلى طبيعته؟
هذه هي الأخبار الجيدة.
فعلى خلاف كثير من أمراض عضلة القلب المزمنة، يكون ضعف القلب في متلازمة تاكوتسوبو مؤقتًا في معظم الحالات، ويتعافى كثير من المرضى خلال أسابيع.
وغالبًا ما تتم متابعة المريض بإعادة فحص الإيكو للتأكد من تحسن وظيفة القلب وعودتها إلى وضعها الطبيعي.
أما العلاج فلا توجد له وصفة واحدة تصلح لجميع المرضى. ففي البداية، قد يكون من الصعب التمييز بينها وبين الأزمة القلبية، ولذلك يُتعامل مع الحالة طبيًا على هذا الأساس حتى يتضح التشخيص. وبعد التأكد منه، يحدد طبيب القلب العلاج وفق درجة ضعف عضلة القلب والأعراض والمضاعفات الموجودة، وقد تُستخدم بعض أدوية علاج قصور القلب بصورة مؤقتة عند الحاجة.
عندما يصبح «كسر القلب» حقيقة
إذن، عندما تقول امرأة بعد موقف شديد القسوة: «إنت كسرت قلبي»، فقد تكون العبارة مجازية في معظم الأحيان، لكنها تذكرنا بحقيقة طبية مهمة: الحالة النفسية والجسدية يمكن أن تؤثر بالفعل في القلب.
وربما لهذا تحمل كلمة «الرفق» معنى أكبر مما نتصور.
وقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنساء فقال: "رفقًا بالقوارير".
فحافظوا على من تحبون، وكونوا أكثر رفقًا ببعضكم بعضًا؛ لأن الكلمة والموقف والصدمة قد تترك آثارًا أعمق مما نراه، ولأن «القلب المنكسر» ليس دائمًا مجرد تعبير مجازي.
التعليقات