تحل في اليوم السبت، الموافق 5 سبتمبر الذكرى الـ29 لرحيل الأم تريزا، إحدى أشهر الشخصيات الإنسانية في القرن العشرين، التي ارتبط اسمها لعقود بخدمة الفقراء والمرضى والمهمشين، خصوصًا في الهند.
حصلت الأم تريزا الراهبة ذات الأصول الألبانية على جائزة نوبل للسلام عام 1979، قبل وفاتها في كلكتا في 5 سبتمبر 1997، عن عمر ناهز 87 عامًا، تاركة وراءها شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية التي واصلت نشاطها بعد رحيلها.

من هي الأم تريزا؟
- وُلدت باسم "آغنيس غونكزا بوجاكسيو" في 26 أغسطس 1910 بمدينة سكوبيه، عاصمة مقدونيا الشمالية حاليًا، لعائلة كاثوليكية من أصول ألبانية.
- في سن الـ18 غادرت منزل أسرتها للانضمام إلى راهبات "لوريتو" في أيرلندا، قبل أن تصل إلى الهند عام 1929، حيث بدأت حياتها الدينية والتعليمية.
- اتخذت لاحقًا اسم "تريزا"، ثم أصبحت تُعرف باسم "الأم تريزا" بعد نذورها الدائمة عام 1937.

دعوة غيرت مسار حياتها
أمضت تريزا سنوات طويلة في التدريس، وأصبحت مديرة لمدرسة في كلكتا، لكن مشاهد الفقر والمجاعة التي أحاطت بها دفعتها إلى تغيير مسار حياتها.
وفي سبتمبر 1946، قالت إنها تلقت أثناء رحلة بالقطار ما وصفته بـ"دعوة داخل الدعوة"، وشعرت بضرورة مغادرة الدير والعيش بين الفقراء وخدمتهم، لتبدأ عام 1948 العمل في الأحياء الفقيرة مرتدية الساري الأبيض ذي الخطوط الزرقاء الذي أصبح لاحقًا أحد أشهر رموزها.

"راهبات المحبة".. من 13 راهبة إلى العالم
وفي عام 1950، حصلت الجماعة التي أسستها على الاعتراف الكنسي تحت اسم "الإرساليات الخيرية" أو "راهبات المحبة"، وبدأت بمجموعة صغيرة هدفها رعاية من وصفتهم تريزا بـ"أفقر الفقراء".
ومع مرور العقود توسع نشاطها من الهند إلى عشرات الدول، ليشمل دور الأيتام والمشردين ومراكز رعاية المرضى والمسنين والمصابين بالجذام والأمراض المستعصية. وعند وفاة تريزا كان أكثر من 4 آلاف راهبة يعملن ضمن الجماعة في مئات الإرساليات حول العالم.
من كلكتا إلى مناطق الحروب والكوارث
لم يقتصر نشاط الأم تريزا على الهند؛ إذ تحولت إلى شخصية إنسانية عالمية وسافرت إلى مناطق ضربتها الحروب والمجاعات والكوارث.
وفي واحدة من أشهر محطاتها، توجهت إلى بيروت خلال الحرب عام 1982، وساهمت خلال وقف مؤقت لإطلاق النار في إجلاء 37 طفلًا من مستشفى يقع على خطوط المواجهة، كما توجهت لمساعدة المتضررين من المجاعة في إثيوبيا، وضحايا كارثة تشيرنوبل، والمتضررين من زلزال أرمينيا عام 1988.

نوبل للسلام.. ومكانة عالمية
جاء الاعتراف العالمي الأبرز عام 1979 عندما مُنحت الأم تريزا جائزة نوبل للسلام تقديرًا لعملها من أجل الفقراء والمحتاجين؛ وقالت لجنة نوبل إن عملها وكفاحها ضد الفقر والضيق يرتبطان أيضًا بالسلام.
ورفضت إقامة المأدبة التقليدية المرتبطة بالجائزة، وطلبت تخصيص تكلفتها للفقراء، فيما منحتها الهند في العام التالي "بهارات راتنا"، أرفع وسام مدني في البلاد.
الجدل حول الأم تريزا
لم تكن الصورة العالمية للأم تريزا خالية من الانتقادات، إذ أثار مستوى الرعاية الطبية في بعض المؤسسات التابعة لها جدلًا، وتحدث منتقدون عن نقص التجهيزات والأساليب الطبية الملائمة، كما تعرضت مواقفها الدينية والاجتماعية، ولا سيما رفضها الشديد للإجهاض، لانتقادات واسعة.
وفي المقابل، ظل مؤيدوها ينظرون إليها بوصفها رمزًا للتفاني في خدمة أشخاص كان كثير منهم يعيشون على هامش المجتمع.

جنازة رسمية
تدهورت صحة الأم تريزا خلال سنواتها الأخيرة، بعدما عانت مشكلات متكررة في القلب وأصيبت بالملاريا، وفي مارس 1997 تنحت عن قيادة "الإرساليات الخيرية"، قبل أن تتوفى في 5 سبتمبر من العام نفسه.
وأقامت لها الهند جنازة رسمية تكريمًا لدورها في خدمة الفقراء من مختلف الأديان، في وقت كانت فيه منظمتها تدير 610 إرساليات في 123 دولة.

من "الأم" إلى "القديسة"
وبعد رحيلها، بدأت الكنيسة الكاثوليكية إجراءات إعلان قداستها، وصولًا إلى 4 سبتمبر 2016، عندما أعلن البابا فرنسيس الأم تريزا قديسة خلال قداس في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان.
وبعد عقود من انطلاق تجربتها في شوارع كلكتا، لا يزال إرثها المؤسسي قائمًا؛ إذ تُظهر البيانات الحالية لـ"الإرساليات الخيرية" وجود الجماعة في عشرات الدول عبر أوروبا وآسيا وإفريقيا والأميركيتين وأوقيانوسيا، ومن بينها مصر.

إرث مستمر بعد 29 عامًا
وبين المكانة التي اكتسبتها باعتبارها رمزًا عالميًا للعمل الإنساني والانتقادات التي لاحقت بعض ممارسات مؤسساتها ومواقفها، بقي اسم الأم تريزا حاضرًا بعد 29 عامًا على وفاتها.
فمن راهبة شابة غادرت أوروبا إلى الهند، تحولت إلى واحدة من أشهر الشخصيات الإنسانية في العالم، ولا تزال الجماعة التي أسستها تعمل في دول عدة، لتستمر قصة بدأت قبل أكثر من 75 عامًا بين فقراء كلكتا.
التعليقات