تحل اليوم الأحد الموافق 6 سبتمبر، ذكرى ميلاد أستاذ الكوميديا الفنان المصري فؤاد المهندس، الذي ولُد قبل 102 عام ولا تزال أعماله حاضرة بين أجيال لم يعيشون عصره.
نستعرض في التقرير التالي بعض المحطات في حياة "الأستاذ" اللقب الذي اشتهر بين زملائه وتلاميذه، إذ امتدت تجربته من المسرح والسينما إلى الإذاعة والتليفزيون وفن الطفل.

من هو فؤاد المهندس؟
-ولد فؤاد زكي المهندس في 6 سبتمبر 1924 بحي العباسية في القاهرة.
-نشأ وسط أسرة ارتبطت بالعلم والثقافة؛ فوالده زكي محمد المهندس كان واحداً من علماء اللغة العربية، وتولى عمادة كلية دار العلوم، كما شغل منصباً بمجمع اللغة العربية، وهو ما جعل اللغة والانضباط والثقافة عناصر أساسية داخل منزل الأسرة.
-كان فؤاد الثالث بين أربعة أبناء؛ سبقته شقيقتاه صفية ودرية، ثم جاء بعده شقيقه سامي، بينما أصبحت صفية المهندس لاحقاً واحدة من أشهر الأصوات في تاريخ الإذاعة المصرية.
-قضى المهندس سنوات طفولته ودراسته الأولى في مدارس بالقاهرة، وهناك ظهرت موهبته مبكراً من خلال المسرح المدرسي.
-التحق بكلية التجارة في جامعة القاهرة وانضم إلى فريق التمثيل بالجامعة.
-كان البيت الذي تربى فيه حريصاً بشدة على سلامة اللغة العربية، وهو ما انعكس لاحقاً على أدائه وطريقته في الإلقاء، فيما ساعده المسرح الجامعي على اكتشاف رغبته الحقيقية في احتراف التمثيل.
-تخرج في كلية التجارة، لكن الفن كان قد أصبح الطريق الذي يريد استكمال حياته فيه.

نجيب الريحاني.. الأستاذ الذي طلب منه ألا يقلده
كان نجيب الريحاني صاحب التأثير الأكبر في بدايات فؤاد المهندس، إلى درجة أن الشاب كان مفتوناً بأسلوبه ويقلده في سنواته الأولى.
وتذكر مصادر صحفية أن الريحاني شاهده أثناء مشاركته في المسرح الجامعي، وأعجب بموهبته، قبل أن يقدم له نصيحة أصبحت لاحقاً من أهم مفاتيح شخصيته الفنية، إذ طلب منه ألا يتحول إلى نسخة منه وأن يبحث عن شخصيته الخاصة.
وبالفعل اقترب المهندس من فرقة الريحاني، لكن وفاة أستاذه دفعته إلى البحث عن طريق آخر، ليبدأ تدريجياً في تشكيل مدرسته الخاصة في الكوميديا.

الراديو و"ساعة لقلبك"
جاء التحول الكبير في مسيرة المهندس مع الإذاعة، عندما انضم إلى البرنامج الكوميدي الشهير "ساعة لقلبك" في خمسينيات القرن الماضي، وهو البرنامج الذي أصبح واحداً من أهم مصانع نجوم الكوميديا في مصر، وشارك فيه إلى جانب أسماء مثل عبد المنعم مدبولي وخيرية أحمد وأمين الهنيدي وفؤاد راتب "الخواجة بيجو" ومحمد أحمد المصري "أبو لمعة".
ومن خلال البرنامج بدأ صوت المهندس يصل إلى جمهور واسع، وشكّل مع خيرية أحمد ثنائياً في اسكتشات "محمود وزوجته"، قبل أن تنتقل نجاحات "ساعة لقلبك" من ميكروفون الإذاعة إلى المسرح.
هدف الضحك و"كلمتين وبس"
يكشف برنامج "كلمتين وبس" بوضوح فلسفة فؤاد المهندس تجاه الكوميديا؛ فالبرنامج الإذاعي الذي بدأ تقديمه عام 1968 لم يعتمد على النكات وحدها، وإنما استخدم المواقف الساخرة لمناقشة مشكلات الحياة اليومية والروتين والسلبيات الاجتماعية والإدارية.
وكان المصريون يستمعون إليه صباحاً في حلقات قصيرة كتبها أحمد بهجت وأخرجها يوسف حجازي، فتحولت دقائق قليلة عبر الراديو إلى مساحة يومية للنقد الاجتماعي، واستمر ارتباط المهندس بالبرنامج لعقود.
وفي المسرح أيضاً ظل مقتنعاً بأن الضحك يمكن أن يحمل مضموناً، وهو ما انعكس على عدد كبير من أعماله التي مزجت الكوميديا بالقضايا الاجتماعية.

أحد أشهر ثنائيات الفن المصري
لا يمكن الحديث عن فؤاد المهندس من دون شويكار، التي تحولت من شريكة له على المسرح إلى شريكة حياة وواحدة من أهم مفاتيح نجاح تجربته الفنية.
جمعتهما أعمال أصبحت من كلاسيكيات الكوميديا المصرية، بينها "أنا وهو وهي" و"سيدتي الجميلة" و"السكرتير الفني"، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأفلام.
وكانت قصة زواجهما نفسها مرتبطة بالمسرح؛ إذ روت شويكار أن المهندس خرج عن النص خلال أحد عروض "أنا وهو وهي" وطلب منها الزواج، فوافقت، لتبدأ حياة مشتركة وثنائي فني استمر تأثيره حتى بعد انفصالهما.

سبب لقب "الأستاذ"
لم يرتبط لقب "الأستاذ" بفؤاد المهندس بسبب نجوميته فقط، وإنما أيضاً بعلاقته بالأجيال التي جاءت بعده، فقد كان حريصاً على منح الوجوه الجديدة مساحة إلى جواره، ومن أبرز الأمثلة عادل إمام، الذي حصل على واحدة من فرصه المسرحية المبكرة المهمة أمام المهندس في "أنا وهو وهي"، قبل أن يصبح لاحقاً أحد أكبر نجوم الكوميديا العربية.
والمفارقة أن المهندس لم يجد حرجاً بعد سنوات، وبعد أن أصبح تلميذه نجماً أول، في الظهور معه بأدوار أخرى، مؤكداً أن السينما تتغير وأن على الفنان أن يتعامل مع تقدمه في العمر، وهكذا أصبح وصف "الأستاذ" تعبيراً عن مكانته داخل الوسط الفني بقدر ما كان لقباً جماهيرياً.

من "عمو فؤاد" إلى "أرض النفاق"
امتلك المهندس قدرة نادرة على الانتقال بين أنواع مختلفة من الجمهور؛ فالرجل الذي قدم أعمالاً سينمائية ومسرحية شهيرة مثل "أرض النفاق" و"شنبو في المصيدة" و"سيدتي الجميلة"، استطاع في مرحلة أخرى أن يصبح "عمو فؤاد" الذي ينتظره الأطفال عبر الفوازير التليفزيونية.
وكشف نجله محمد فؤاد المهندس أن اسم "عمو فؤاد" جاء من الطريقة التي كانت تناديه بها إحدى أفراد العائلة، وأن والده أحب فكرة تقديم عمل للأطفال يحمل رسالة في حلقات قصيرة وخفيفة، فتحولت الفوازير إلى جزء آخر من إرثه الفني.
ورحل فؤاد المهندس في 16 سبتمبر 2006، بعد عشرة أيام فقط من ذكرى ميلاده الـ82، لكن حضوره لم يتوقف عند جيل شاهده على المسرح أو انتظر "كلمتين وبس" عبر الراديو، فقد بقيت شخصياته وأعماله تتداول بين أجيال متعاقبة، وظل لقب "الأستاذ" ملتصقاً باسمه؛ ربما لأن مشروعه تجاوز فكرة إضحاك الجمهور إلى محاولة صناعة كوميديا تستطيع أن تعيش بعد صاحبها.
التعليقات