لا يكفي أن نقرأ صفقة أوبر ودليفري هيرو باعتبارها أكبر اندماج في تاريخ توصيل الطعام. فالصفقة، ببساطة، تعيد رسم خريطة قطاع صار أحد أعمدة الاقتصاد الرقمي في منطقتنا، وتضع أمام الهيئات الرقابية العربية اختباراً حقيقياً لدورها.
الصفقة وُقعت بالفعل؛ أعلنت أوبر عرضها في 16 يوليو 2026 بسعر 41.50 يورو للسهم، وأوصى مجلسا دليفري هيرو المساهمين بقبوله في 2 سبتمبر، وتمتد مهلة القبول حتى 5 نوفمبر. والإتمام مشروط بموافقات جهات مراقبة الاندماج في عدة دول، وتتوقعه أوبر نفسها في النصف الثاني من 2027. هذه المهلة هي ما يجعل الحديث عن دور الجهات الرقابية في محله اليوم، لا بعد عام.
ودور هذه الجهات يتجاوز الرقابة التقليدية؛ فهو صمام الأمان الذي يحفظ استدامة النمو والتوازن الهيكلي وعدالة المنافسة في الأسواق المحلية. وتفكيك هذا الدور يجري عبر خمسة محاور.
أولها تركّز السوق. يميل قطاع المنصات بنيوياً إلى أن يستحوذ اللاعب الأول على الحصة الأكبر، لأن كثافة الطلب تخفض كلفة التوصيل للطلب الواحد، وانخفاض الكلفة يتيح سعراً أفضل يجذب طلباً أكبر. عجلة تدور لصالح من بدأ الدوران. وحين تنتقل علامات كبرى إلى مظلة واحدة تصبح الحصة المجمّعة قوة سوقية محتملة، ومهمة الهيئات الرقابية أن تدقق فيها بما يبقي الباب مفتوحاً أمام الداخلين الجدد.
وفي هذه الصفقة تفصيلة تكشف كيف تُدار مسألة التركّز عملياً. فبالتزامن مع العرض، اتفقت دليفري هيرو على بيع أعمالها في أربعة عشر سوقاً إلى شركة SSW Partners الاستثمارية مقابل نحو 1.6 مليار دولار، من فودورا في النمسا والنرويج والسويد إلى غلوفو في إسبانيا وبولندا ويمك سبتي في تركيا، وهي جميعاً أسواق تعمل فيها أوبر إيتس أصلاً. تنازل مقدَّم عن أصول بأكثر من مليار دولار، هدفه تذليل العقبات التنظيمية. وليس بين الأربعة عشر سوقاً سوق عربي واحد. طلبات، التي تملك دليفري هيرو ثمانين في المئة منها، وهنقرستيشن في السعودية، تنتقلان إلى المظلة الجديدة دون تنازل مماثل. وهذا سلوك طبيعي من أي مشترٍ: يدفع الثمن حيث يُطلب منه.
وثانيها تكافؤ الفرص. المنصات الوطنية قصة نجاح للريادة الرقمية المحلية، ومدعومة برؤوس أموال محلية تسهم مباشرة في الناتج المحلي. وفي مقابلها منصة عالمية تستطيع تحمّل خسائر تشغيلية لسنوات وتغطيتها من خدمات أخرى في منظومتها، وهو ما يُعرف بالدعم المتقاطع. المنصة المحلية تموّل نموها من عملياتها وحدها، ولا بديل لديها. وحين يتحول فارق القدرة المالية إلى أداة لإخراج المنافس من السوق، نكون أمام ما يسميه القانون تسعيراً مفترساً، وهو وصف لا يقرره منافس ولا صحيفة، بل جهة مختصة بعد فحص. وهذه بالضبط هي المخاطرة التي يُنتظر من الهيئات الرقابية أن تحول دونها.
وثالثها ميزان القوى بين المنصات والمطاعم. هنا الطرف الأضعف في المعادلة كلها، والمطاعم الصغيرة والمتوسطة في مقدمته. فحين تصبح منصة واحدة مصدر الحصة الأكبر من طلبات مطعم، ينتقل ميزان التفاوض كله إلى جانبها، وهو وضع يسميه الاقتصاديون احتكار الشراء. المطعم عندها لا يستطيع الاستغناء عن المنصة، ولا رفض تعديل في العمولة، ولا يحقق من الطلبات ربحاً حقيقياً. وهوامش مطاعم السوق المصري ليست مفتوحة بلا حدود، وحساب العمولة لا يرحم؛ فالنقطة المئوية الواحدة تقتطع من قيمة الطلب، لكن ربح المطعم ليس سوى جزء من هذه القيمة، فتأخذ النقطة نفسها من هذا الربح حصة أكبر بكثير. وغياب الدور الرقابي هنا يعني غياب المنافسة الحقيقية، ومعه ارتفاع نسب العمولات إلى مستويات تلتهم هوامش تلك المطاعم.
ورابعها رفاهية المستهلك. اعتاد المستهلك سنوات من العروض والخصومات كانت المنافسة تدفع ثمنها. وفي البيئات الأقل تنافسية تتراجع الضغوط التي تدفع المنصات إلى تقديمها، وقد تظهر رسوم توصيل وخدمة لا يفهم المستهلك مبرراتها، وتتراجع جودة الخدمة لغياب من ينافس عليها. ولا يصح افتراض النتيجة سلفاً؛ فالمجموعة الجديدة أعلنت استهداف وفورات سنوية من التكامل تبلغ نحو 1.2 مليار دولار، وقد تأتي من التكنولوجيا وكفاءة التشغيل فيستفيد الجميع. لكن دور الهيئات الرقابية أن تضمن بقاء البدائل وحرية الاختيار قائمة على الجودة والسعر.
وخامسها الاتفاقيات الحصرية وحوكمة البيانات. العقد الحصري مع سلسلة مطاعم كبيرة يمنعها من الظهور على المنصات المنافسة، ويغلق باباً أمام كل ناشئ. ومعه وجه أقل حديثاً عنه وأعمق أثراً: بيانات المطعم نفسه. فمن راكم آلاف الطلبات على منصة واحدة لا يملك مغادرتها، لأن سجل عملائه ليس في حوزته. وإذا كانت البيانات هي أثمن ما تشتريه المنصات فعلياً في صفقات كهذه، فإن مراقبة هذين البابين تحدد وحدها ما إذا كان السوق سيبقى مفتوحاً أم مغلقاً بالتصميم.
ولدى جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في مصر خبرات متراكمة في هذا القطاع وسوابق في فحص صفقات النقل والتوصيل، وأمامه سوق ما زال قابلاً للاختراق، بدليل دخول لاعب قائم في البقالة السريعة إلى توصيل طلبات المطاعم رسمياً هذا العام.
أما الهيئة العامة للمنافسة في السعودية فأمام سوق هو الأهم ترويجياً وتنافسياً في المنطقة: وتشير تقديرات Momentum Works إلى نحو أربعين في المئة لهنقرستيشن بنهاية 2025، مقابل نحو ثلاثة وثلاثين لكيتا وأكثر من عشرين لجاهز. منافسة حادة، والمنتظر حمايتها من الانغلاق لا حماية طرف بعينه فيها.
الاستحواذات الكبرى ليست سيئة في ذاتها، وكبر الحجم ليس تهمة، وربما يأتي بكفاءة تشغيلية واستثمار تقني يستفيد منهما القطاع كله. لكن القوة السوقية تنتقل مرة واحدة، ومن يملكها بعد ذلك يديرها وفق حساباته هو. ولهذا فإن السؤال ليس من انتصر في الصفقة، بل بأي شروط تُدار الصناعة بعدها.
وفي المقال المقبل أتناول الفرص التي قد تُتاح أمام المنصات الوطنية الناشئة، وكيف يمكنها اقتناص حصص سوقية حقيقية في السوق الجديد.
التعليقات