كيف تشعرين الآن بعد زواج أميرتك؟
قد يبدو الأمر مجرد أرقام؛ كنا وصرنا، رغم أن الزيادة أو النقصان لمناسبة أجمل ما تكون، فما أجمل من بنيان بيت يملؤه الحب والأمل في استكمال طريق الحياة بشريك قريب للقلب وصديق للعقل، أن نتشارك كل شيء معًا تقدمه لنا تلك الحياة المتقلبة مثل البحر.
وسط تجهيزات الزفاف نشاهد تلك الأم التي يطاردها الجميع بالسؤال التقليدي: كيف تشعرين عندما تغادرك ابنتك إلى بيتها؟ أن يمر اليوم بمحادثات من هنا وهناك ليومك ويومها، نعم صار هناك يومان وليس يومًا واحدًا، صارت لنا مواعيد مختلفة وأجندة مستقلة علينا احترامها.

من التقليدي المعتاد أن تحزن الأم فترى بداية الحياة الجديدة فراقًا، لكني لم أرَ أن أميرتي ستغادرني، بل شاهدت قصة جديدة يكتبها مؤلفان غيرنا، شركاء سكن وقلب. لم أرَ في حياتي الزواج شيئًا تقليديًا يمر على البيوت مرورًا روتينيًا أو كأنه حدثاً وجب حدوثه فلماذا نتفاجىء ؟.
الزواج رباط مقدس لا يصح أن نتناوله بالفكاهة كما اعتدنا من سنوات، لدرجة أننا انجرفنا إلى اعتباره صفقة علينا الحذر منها على أن نحترمها.
من أم ترى أن أميرتها ستغدو ملكة ببيتها، إلى أم تتخاطفها مشاعر من كثرة اختلافها صارت مثل هدوء المحيط حينما ينقلب بدون إطلاق صافرات الإنذار لنحترس جميعًا.
من أطلق على أم العروسة العبارة غير المنطقية (أم العروسة فاضية ومشغولة)؟! بحثت كثيرًا في زحمة يومي الذي لا يكفيني فيه الأربع والعشرون ساعة للانتهاء من مهامه عن هذا الفراغ الذي يتحدثون عنه، لم أجده، بل وجدت انشغالًا طوال ساعات اليوم لكيف أدخل البهجة على هذه البنوتة التي تستحق أن أبذل كل ما أملكه من وقت ومال لإسعادها.
واحتميت بهذا الانشغال حتى أطرد تلك الأرقام من مخيلتي، فقريبًا يتبدل رقم أربعة ليصير ثلاثة، يُرفع طبق من على الطاولة لينضم إلى طاولة أخرى وشريك جديد. تصير المحادثات أغلبها لاسلكية أو بشبكة عنكبوتية، فاليوم قارص البرودة لا تغادري منزلك فيصيبك برد الشتاء، وليسكن قلبي برودة الوحدة بعيدًا عنكِ لا يهم ولا تشغلي بالك حبيبتي، المهم أنتم بخير؟
في لحظة ارتدائها لفستان زفافها الشبيه بقلبها الأبيض صار التحمل صعبًا، لم أملك حيلة أمام مشاعري، وصار المحيط يطالبني بالفكاك، أن أخرج تلك الآهات وتنطلق تلك الدموع الحبيسة طوال الشهور الماضية، وصرت أبحث عن ركن خفي لأنزوي فيه وأشكو نفسي لنفسي.
وهناك تلمستها أم جميلة مثلي، أعلم أنها الوحيدة التي ستشعر بي، فمن غير أم العريس ستفهمني، والتي لا تختلف مشاعرها عن مشاعري، رغم أن الطبق المغادر للمائدة عندي سينضم إليها في أغلب المناسبات هكذا جرت العادة وكانت الحياة وأتفهم ذلك كثيرًا.
خرجت كل أمواجي في أحضانها كانتصار في معركة التحمل والصمود، وهنا شعرت بأنفاسي تعود إلى قلبي مجددًا بعد شهقات لا أعلم مصدر حزني، ولأول مرة لا أجد كلمات تعبر عن وجداني، وعجز لساني عن الإفصاح عن مخاوفي، فلا توجد مخاوف ولكنه ألم الواقع فقط .
لا تغضبوا من أم العروسة في قاعات الأفراح حينما ترونها شاردة أو سهوًا تغفل أحد الحضور، فتلك الأم تجدونها جسدًا يتحرك، أما عقلها فهنا وهناك، وكأنه جهاز كمبيوتر به آلاف الملفات صارت تُفتح جميعها في نفس اللحظة، ولا تملك من أمرها حيلة .
نعود إلى إجابة السؤال الذي بدأت به مقال هذا الأسبوع، والذي يتخاطفني من كل من حولي من صديقاتي: كيف تشعرين الآن؟ أحدثكم بكل الصدق، لم أشعر بأن ابنتي صار لها بيت مستقل بعد شراكتنا معًا طوال 26 عامًا، إلا حينما في زيارتي لها أهدتني شيكولاتة من التي أحبها. هل كانت أول مرة تهديني شيكولاتة؟ طبعًا لا، ولكنها دخلت لمطبخها وأحضرتها وقالت: أنتِ تحبيها.
هنا علمت، بل أدركت، أن قصتها بدأت لا تسألوني ما العلاقة، حقيقة لا أدرك لماذا انتابني هذا الشعور، وما علاقة هذا بتلك، لكني انتبهت لدموع في عيني وابتسامة من قلبي، وكأن إجابة السؤال أتت بغتة.
واختلفت الصورة فجأة، فشاهدت "أربعة زائد واحد"، فلماذا أرفع من على المائدة طبقًا، ولنا أن نزيد العدد بفرد آخر ينضم إلى العائلة لتصير أكبر، وغدًا مهما طال يتضاعف العدد ليمتلئ البيت.
مشاعرنا تحكمها أنماط شخصياتنا والتي تختلف من شخصية لأخرى، فلندرك أن الأمر العادي قد لا يمر عابرًا على قلب غيرنا، فرفقًا بقلوب تخبئ بين جوانحها الكثير من المشاعر التي قد يظنها الكثيرون تقليدية، فلا ينتابكم الإندهاش من مقال يتحدث عن مشاعر أمومة قد يظنها البعض إعتيادية لكنها أبدًا لم تكن يومًا في قلبي كذلك.
التعليقات