بالكاد نستطيع تحديد التاريخ على ورقة الروزنامة، ليس واضحاً ولكن يقينا هو أواخر شهر سبتمبر، لم يحن الخريف بعد والجو لما يزل حار …..
في منتدى أو مقهى دعنا نسمية يقعُ على ضفاف النهر يجتمعُ فيه كبار السن المتقاعدين، معظم رواده أشخاص خرجوا على المعاش، جل أحاديثهم غير ذات أهمية، ذاك يشتكي ألم المفاصل، و هذا مستاء من أحفاده اللذين أرهقوا إبنه بطلباتهم، و ذيك متذمر من شركة التأمين الصحي التي أخطرته بتجاوز الحد المسموح له من الأدوية ….
تسمع في هذا المقهى صوت قرقعة النرد، وصوتُ رجلٍ يقول لمن يقابله ( كش ملك)، وصوت حثيث أقدام نادل المقهى العجول الذي لا يهدأ….
لنا أن نقول بأن المقهى هادئ ولكن على طاولة ما تحلق حولها بضع رجال متقاعدين ارتفعت نبرة حوارهم لتصل للزعيق …. كان صاحبنا عصبياً جداً، لا نعرف ماهية الحوار لكنه كان شديد الغضب، و أخذ يصرخ بوجوهِ أصدقائه، كان ينعتهم بالأغبياء، و آرائهم السياسية ضحلة جداً، و قال لهم بأنه يضيع وقته بالجلوس معهم ….. أحدهم قال له : إرحم نفسك فأنت مريض ضغط دم و هذه العصبية قد تؤذيك … فجاوبه بأن هذا ليس من اختصاصك حتى بالأمور الطبية أنتم جهلاء وأغبياء …..
وبعد طولِ جدال قام من مكانه بعد أن كال على أصدقائه سيل الشتائم ثم قفر عائداً لمنزله….
فصل الخريف كان ببدايته وشيء بسيط جداً من الريح الباردة لسع وجهه رغم أن الجو لما يزل ساخن، دخل لمنزله استقبلتهُ زوجته وقالت له : لقد عدت اليوم مبكراً هل أحضر لك الغداء….
صرخ بوجهها و قال : لا أريد سُماً، وهذا ليس شأنكِ يا سمو البرنسيسة إن عدتُ مبكراً أو متأخراً….
هّون هّون ماذا قلتُ لك …..
دعيني و شأني و لا تكلميني، كلكم أغبياء….
في هذه الأثناء خرجت ابنته من حجرتها على إثر صوتِ الصراخ ….
ما بكما ماذا حدث ….
وما دخلكِ أنتِ بما حدث، ولماذا أنتِ هنا ألم تذهبي لجامعتك اليوم؟ … لا أريد تبرير أجوف هيا اغربي عن وجهي….
دخل غرفة النوم و أوصد الباب خلفهُ بكل قوة حتى رج المنزل، أغلق الستائر حتى عتمت الغرفة ثم ارتمى على الفراش و هّم بالنوم رغم أن الظهر لم يحن بعد …..
وقبل أن ينام صرخ بكل قوته وقال: لا أريد أي إزعاج ولا أحد يدخل للغرفة سئمت منكم جميعا ثم خلد للنوم.
* * *
صحوتُ من نومي و أول ما نظرتُ إليه هو الساعة، كانت تشير للخامسة مساءً لكن لماذا حل المساء بعتمته بسرعه،هذا ما قلتهُ لنفسي عندما فتحت الستائر، فالغروب يحين بعد السادسة، غير مهم الآن فمزاجي جدا متعكر و لا أريد التحدث مع أحد ….
بعد قليل دخلت زوجتي الحجرة، تجاهلتني تماماً ولم تنطق ببنت شفة، أخذت شيء من الغرفة ثم خرجت… انزعجتُ منها كثيراً فلم تهتم بوجودي أبداً…
خرجت للصالة وكان طعام العشاء على الطاولة، لا أشعر بالجوع أبداً ومع ذلك جلست على كرسيي بصدر طاولة الطعام، كنت مستاء للغاية، بعد قليل نادت زوجتي ابنتي و ابني لتناول العشاء….. ما أوقحهم ثلاثتهم، لم يتكلمو معي أبداً وتجاهلوني تماماً، ما هذه الضغينة …. كانت وجوههم مكفهرة ….. صرخت و قلت: لا أريد أن آكل ثم خبطتُ بيدي المنضدة و نهضت، ومع ذلك لم يهتموا بالأمر ( وكأنهم لم يسمعوني) …..
خرجت من المنزل ونزلت الشارع لا أعرف أين أذهب، كان الجو شتوي وماطر و صوت عصف الريح قوي رغم ذلك لم أشعر بالبرد أبداً، ما هذا كيف حل الشتاء خلال ساعات ….
أين أذهب ؟ للمقهى لا أريد فثلة الأغبياء هناك سئمتهم للغاية و إن عدتُ إليهم فقد أضربهم ….
تسكعت كقطِ شارع بائس بشوارع الحي، مررت على دكان الخياط فقبل عدة أيام طلبت منه اصلاح معطف لي تمزقت بطانته استعدادا لدخول الشتاء ….
تجاهلني هو الآخر وكأنني غير موجود، شتمته ثم خرجت من حانوته، رغم أن الشتيمة كانت لاذعه لكنه تجاهلني….
من بعيد لمحت أحد أصدقائي اللذين أجلس معهم بمقهى المتقاعدين و هو يخرج من دكان الحلاق، أسرعتُ الخطى نحوه ثم هاجمته وقلت له : ماذا كنت تفعل بدكان الحلاق يا أقرع، أتجمل مظهرك الشئيم، قل لشلة المقهى بأنني لن أدخله أبداً، فأنا بأفضل حال بدونكم يا أغبياء … تجاهلني تماماً (وكأنه لا يسمعني) فقذفت عليه شتيمة يقشعر لها الجبل، ومع ذلك لم يرد و أكمل طريقة ….
لا أوصف لكم مدى حنقي و غضبي فالكل يتجاهلني، أعرف نفسي أنني عصبي جداً و صعب المراس لكنني طيب القلب أريدهم فقط أن يعيروني اهتمام ….
عند مدخل بنايتنا كان جاري ثقيل الظل والدم يقف مع جاري الآخر، فوقفت حذائهم و رميت السلام عليهما عن مضض…. لم يردا علي وكأنني غير موجود …..
كنت أجهز بعقلي شتيمة تليق بهذا الموقف، لكنني صعقت من حديثهما و فغرت فاهي بقوة و اتسعت أحداق عيناي …. فقد سمعت حديثهما، كان يقول أحدهم للآخر : منذ ثلاث شهور فقدنا جارنا فلان و اليوم فقدنا جارنا الآخر …
فلان هذا هو أنا !!
صرخت بوجهيهماً و قلت: أنا لست بميت يا أوباش أنا هنا …. لم يردا علي، فشتمتهما بعنف، أيضاً لم يردا …. وبكل ما أوتيت من قوة لكمت كتف جاري لكن كأنه هلام لا شيء ….
أوووه كلا أنا لست أنا، هنا أيقنت بأن لا وجود لي، ركضت بإتجاه الشارع كانت السيارات تسير مسرعه ورغم أن بعضها صدمني لكني لم أشعر بشيء …..
لأجل ذلك لم أشعر ببرد الشتاء هذا و لم يسمعني أحد من كل هؤلاء اللذين قابلتهم …كانت روحي دون جسدي تعيش هذا الشيء الذي سردته….
يبدو أنني قد رحلت ……
* * *
على ذات الروزنامة نستطيع الآن تحديد التاريخ أكثر هو أواخر شهر سبتمبر قطعاً، مساء ذلك اليوم آنف الذكر، بعدما دخل لينام و هو بقمة غضبه، ارتفع ضغط الدم لديه كثيراً، ونام نومتهُ الأخيرة إثر سكته قلبية …..
باليوم التالي شيعوه لمثواه الأخير و حزنوا عليه كثيراً أفراد أسرته و أصدقائه بالمقهى ….
لكن الدنيا أكملت مسيرها بدونه …. ولما يزل صوت قرقعة النرد بالمقهى وصوت حثيث أقدام النادل، كل ما هنالك بأن رواد المقهى نقصوا واحد، وسكان المقبرة ازدادوا واحد …..
التعليقات