الشمس ليست مجرد مصدر للدفء والضوء، بل هي "صيدلية طبيعية" مفتوحة تؤثر على كل خلية في أجسامنا، التعرض المتوازن لأشعة الشمس يمنح الجسم سلسلة فوائد صحية وجسدية ونفسية، لكن المبالغة فيها قد تتحول إلى ضرر، فكيف نحصل على الفائدة ونقلل المخاطر؟

الحفاظ على الوزن
تشير أبحاث حديثة إلى أن التعرض لأشعة الشمس في الصباح الباكر قد يساعد في تنظيم عملية الأيض، فالأشعة الزرقاء الموجودة في ضوء الشمس تخترق الطبقات الأولى من الجلد وتؤثر على الخلايا الدهنية الموجودة مباشرة تحت سطح الجلد، مما قد يؤدي إلى انكماش حجمها وتقليل تخزين الدهون.
كما أن ضوء الشمس يساعد على ضبط هرمون "الميلاتونين" و"الليبتين" المسؤولين عن الشعور بالجوع والشبع، ما يجعل الجسم أكثر كفاءة في حرق السعرات خلال اليوم، لذلك يربط الأطباء بين قلة التعرض للشمس وزيادة معدلات السمنة لدى العاملين داخل المكاتب لفترات طويلة.

مصدر طبيعي لفيتامين "د"
يُطلق على فيتامين "د" اسم "فيتامين الشمس" لأنه لا يتكون في الجسم إلا عند تعرض الجلد للأشعة فوق البنفسجية من النوع B، هذا الفيتامين ضروري لثلاث وظائف رئيسية:
أولاً: صحة العظام والأسنان، لأنه يعزز امتصاص الكالسيوم والفوسفور من الغذاء ويمنع هشاشة العظام.
ثانياً: دعم جهاز المناعة، إذ يساعد خلايا الدم البيضاء على مقاومة العدوى والالتهابات.
ثالثاً: تنظيم المزاج ووظائف العضلات، ونقصه مرتبط بالإرهاق المزمن وآلام العظام والمفاصل.

نوم أعمق وساعة بيولوجية منتظمة
يعتبر ضوء الشمس هو "المُعدِّل" الرئيسي للساعة البيولوجية في الجسم، عند سقوط الضوء على شبكية العين صباحاً، ترسل إشارة للمخ لإيقاف إنتاج هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، وزيادة هرمون الكورتيزول الذي يمنحنا النشاط.
وفي المساء، ومع غياب الشمس، يبدأ الجسم بإفراز الميلاتونين مجدداً فيسهل النوم، لذلك وجدت الدراسات أن كبار السن الذين يتعرضون لضوء الشمس 30 دقيقة يومياً ينامون بشكل أفضل ويعانون أرقاً أقل بنسبة كبيرة مقارنة بمن يبقون في الإضاءة الصناعية.
تعزيز الصحة النفسية والمزاج
ضوء الشمس محفز قوي لإنتاج مادة "السيروتونين" في الدماغ، وهي ناقل عصبي يُعرف بهرمون السعادة، ارتفاع السيروتونين مرتبط بتحسن المزاج، وزيادة الطاقة، وتقليل القلق والتوتر، وتعزيز القدرة على التركيز.
هذا يفسر لماذا ترتفع حالات "الاكتئاب الموسمي" في الدول قليلة الشمس خلال الشتاء، حتى 20 دقيقة مشي تحت الشمس قادرة على رفع المعنويات وتقليل الشعور بالإجهاد الذهني.

فوائد ومخاطر على صحة العين
الفوائد: أثبتت دراسات أن التعرض المعتدل لأشعة الشمس في الهواء الطلق خلال فترة الطفولة والمراهقة يقلل من فرص الإصابة بقصر النظر "قرب النظر"، الضوء الطبيعي الساطع يحفز إطلاق مادة الدوبامين في شبكية العين التي تمنع استطالة مقلة العين.
الأضرار: أما التعرض الطويل والمباشر بدون حماية فيمكن أن يضر العين، الأشعة فوق البنفسجية تتراكم وتزيد خطر الإصابة بـ "إعتام عدسة العين" أو الماء الأبيض، وتسبب التهاب القرنية الذي يؤدي إلى تشوش الرؤية وألم شديد، لذلك يُنصح بارتداء نظارة شمسية تحجب 100% من الأشعة فوق البنفسجية.
فوائد وأضرار على الجلد
الأضرار: الجلد هو خط الدفاع الأول ويتأثر أكثر ما يتأثر بالشمس، التعرض المفرط للأشعة فوق البنفسجية هو السبب الرئيسي للأنواع الثلاثة لسرطان الجلد: الورم الميلانيني الأخطر، وسرطان الخلايا القاعدية، وسرطان الخلايا الحرشفية، كما تسبب الشيخوخة المبكرة وظهور التجاعيد والبقع الداكنة، لذلك يصبح استخدام واقي الشمس بعامل حماية 30+ أو ارتداء ملابس قطنية تغطي الجسم أمراً ضرورياً عند البقاء في الخارج أكثر من 15 دقيقة.
الفوائد: في المقابل، التعرض المحدود والمنتظم لأشعة الشمس مفيد لبعض الأمراض الجلدية، الأشعة فوق البنفسجية بجرعات محسوبة تُستخدم علاجياً لتخفيف أعراض "الصدفية" و"الإكزيما" و"البهاق" لأنها تبطئ نمو الخلايا المناعية المسببة للالتهاب.

ما هي المدة الكافية للتعرض للشمس؟
لا توجد مدة واحدة تناسب الجميع، فالاحتياج يختلف حسب: لون البشرة، العمر، الحالة الصحية، النظام الغذائي، ومكان الإقامة.
القاعدة العامة: يرى أغلب العلماء أن التعرض لضوء الشمس المباشر في ساعات الصباح الأولى من 8 إلى 10 صباحاً لمدة 5 إلى 15 دقيقة يومياً كافٍ لمعظم أصحاب البشرة الفاتحة والمتوسطة، أما أصحاب البشرة الداكنة فقد يحتاجون إلى 20 - 30 دقيقة لأن الميلانين يقلل امتصاص فيتامين "د"،
الأهم هو تجنب ذروة الشمس من 11 صباحاً إلى 3 عصراً، والأفضل دائماً استشارة الطبيب لتحديد المدة والطريقة الأنسب لحالتك الصحية.
التعليقات