خلال سنين الخمسينات والستينيات، استمتعت كشاب بدخول الأوبرا الخديوية القديمة لمشاهدة العروض الفنية الرائعة للفنون الشعبية الصينية، كما شاهدت مرتين عروض الباليه لأعظم فرقة في العالم، وأقصد فرقة البولشوي الروسية، وهي عروض بالغة الجمال والفن. وبسبب صداقتي وجيرتي لأسرة السيدة الدكتورة/ ماجدة صالح، راقصة الباليه الأولى في تاريخ مصر، وشقيقها طارق، والذي كان أيضاً راقص باليه، كان يتم استثنائي، فيسمح لي بمراقبة والاستمتاع بعروض فرقة الباليه المصرية الممتازة من على خشبة المسرح خلف الستائر. وعلى جانب آخر، ارتبطت بصداقه مع والد الفنانة فريدة فهمي، الأستاذ المحبوب المهندس/ حسن فهمي، الأستاذ بكلية هندسة القاهرة، وهو الذي كان له دور مؤثر في جوانب فنية تساعد فرقة رضا على أداء عروضهم بتسهيلات أساسية هامة، وبالطبع نلت شرف التعرف على السيدة فريدة فهمي ومشاهدة بعض عروض هذه الفرقة الرائعة من على خشبة المسرح من خلف الستائر، وهي فرقة كنا جميعاً نفخر بها، حيث كانت تمثل مصر بعروض جميلة بعدة دول أجنبية، ونالت اهتمام ورعاية السيد رئيس الجمهورية الرئيس جمال عبد الناصر.
وخلال السنين 1975 و1976 و1977، عندما كُلِّفت كضابط قوات مسلحة بالإشراف الكامل على زيارات وزراء حربية دول العالم وشخصيات هامة ومؤرخين وكتاب وصحفيين من دول العالم، حيث كنت أحدد وأشرف على تفاصيل برامج الزيارة، والتي كانت تشمل بالطبع زيارة مواقع القتال الهامة بجبهة قناة السويس ومواقع الآثار الفرعونية المنتشرة على جانبي النيل من أقصى الجنوب حتى أقصى الشمال، والمتاحف والآثار المتنوعة المنتشرة داخل العاصمة، وهو ما أدى إلى زيارتي لمعظم المعابد الفرعونية عشرات المرات، وهو ما منحني صداقة شخصيات هامة ارتبطت حياتها ببعض الآثار، مثل المرمم العظيم الحاج أحمد يوسف، الذي تولى على مدار سبعة وعشرين عاماً مهمة إخراج مركب خوفو (أربعة آلاف وخمسمائة سنة)، والملقبة بمركب الشمس، من حفرتها الواقعة على جانب الضلع الجنوبي لهرم خوفو، وترميمها ودراستها، ثم تركيبها بأسلوب الحياكة، وكان إنساناً مثقفاً ومتواضعاً وفنان ترميم أرفع مستوى، نال احترام علماء المصريات الدوليين.
كما تعرفت على السيدة البريطانية/ دوروثي إيدي، المعروفة بلقب أم سيتي، والتي كلما دخلت مع ضيوف مصر معبد سيتي الأول الجنائزي، أي معبد أبيدوس بمحافظة سوهاج، كنت ألتقي بها، حيث كانت تقيم إقامة دائمة في منزل بسيط مجاور للمعبد، وهي المرتبطة بقصة عجيبة منذ طفولتها، عندما سقطت على سلالم منزل أسرتها ببريطانيا وفقدت الوعي، ثم لتستيقظ وتعلن أنها فرعونية، وأنها كانت عشيقة الفرعون سيتي، وتطلب الذهاب إلى وطنها ومنزلها عند معبد سيتي الأول بمصر العليا، وهو ما دفع أسرتها إلى عرضها على أطباء نفسيين بمستشفيات أمراض عقلية، والذين أكدوا أنها طبيعية ولا وجود لخلل عقلي بها.
وتدور السنين لتتعمد كثرة زيارة جناح الآثار المصرية بالمتحف الوطني البريطاني بلندن، وتتعلم اللغة الفرعونية وتاريخ الفراعنة، ثم لتتعرف على رجل مصري وتتزوجه وتنجب طفلاً سمته سيتي، ليتحول اسمها إلى أم سيتي، ثم تسافر مع زوجها إلى مصر عام 1933، لتهبط على أرض المطار وتقبل الأرض وتعلن عودتها لوطنها. وخلال الفترة التالية لوصولها مصر، رفضت مغادرة مصر مع زوجها، والذي حصل على وظيفة بالعراق، وهو ما أدى إلى انفصالهما، ولتزور معبد أبيدوس، حيث قررت الإقامة الدائمة بمنطقة تعرف باسم "العرابة المدفونة"، وتبدأ في تحديد مواقع مخفية ومعلومات عن المعبد وتاريخه أثارت اهتمام علماء الآثار المصريين، ومنهم العالم المعروف سليم حسن، رائد علم المصريات.
وقد شاركت في عملية تنظيم حجارة المعبد الكبيرة والصغيرة لإعادة استخدامها في ترميم أقسام من المعبد، وبمرور الوقت أصبحت معروفة بوصفها عالمة آثار، رغم أنها لم تحصل على المؤهلات اللازمة لتنال هذا اللقب، وكان لها تأثير قوي على دراسات الدكتور زاهي حواس… فيا لها من حياة.
التعليقات