ثمة أشخاص لا نكتشف مكانتهم الحقيقية في حياتنا من كثرة ما شاركونا، بل من مقدار ما كنا نحب أن نشاركهم. أشخاص لا يشترط وجودهم في تفاصيل يومنا، ولا نحتاج إلى أن يعرفوا كل ما يحدث لنا لحظة بلحظة، لكننا نحتفظ لهم، دون اتفاق أو تخطيط، بحق خاص في معرفة ما يحدث في أعماقنا، وفي الاطلاع على الحكايات التي لا نرويها لأحد.
كان أبي واحدًا من هؤلاء.
لم أكن يومًا ممن يعلنون خطواتهم، أو يشرحون للآخرين ما ينوون فعله، أو يصطحبون أحدًا في تفاصيل رحلاتهم. اعتدت أن أذهب بعيدًا في أفكاري، وأن أخوض تجاربي بصمت، وأن أترك النتائج تتحدث حين يحين وقتها. لم يكن ذلك بالضرورة لأنني لا أحب المشاركة، وإنما ربما لأنني لا أجيد تحويل ما يدور في داخلي إلى حكايات يومية، ولأنني بطبيعتي أحتاج إلى أن أعيش الأشياء أولًا، وأفهمها، وأختبرها، ثم أجد الكلمات المناسبة للحديث عنها.
لكنني كنت أستثنيه من هذه القاعدة.
لم أكن بالضرورة أحكي له ما يحدث أثناء الرحلة، لكنني كنت أحب أن أعود إليه بعدها. كنت أحب أن أجلس أمامه وأفتح دفاتر الحكاية، وأن أبدأ من نقطة لا يعرفها، وأشرح له كيف بدأت الفكرة، وكيف تطورت، وما الذي واجهني، وما الذي جعلني أختار هذا دون ذاك. وكان يسألني، بفضول أبوي أحببته دائمًا: «فهميني... عملتي إيه؟»
ربما تبدو جملة عادية، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إليّ. ففيها شيء يتجاوز السؤال عن حدث أو إنجاز؛ فيها رغبة في الدخول إلى عالم الآخر، وفيها اعتراف غير معلن بأن ما يشغله يستحق أن نفهمه، وأن وراء النتيجة عقلًا بذل جهدًا، وروحًا خاضت تجربة، وتفاصيل تستحق الإصغاء.
كنت أحب أن أشرح له. لم يكن مهمًا أن يعرف كل شيء عن المجال الذي أتحدث فيه، ولا أن يدرك بالضرورة كل التعقيدات التي واجهتني. كان يكفيني أنه يريد أن يعرف. أن أجد أمامي إنسانًا لا يكتفي بسماع أنني فعلت شيئًا جيدًا، بل يريد أن يفهم ماذا فعلت، وكيف فكرت، وكيف وصلت.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر الحقائق الإنسانية رهافة: نحن لا نحتاج دائمًا إلى من يشاركنا الطريق، بقدر ما نحتاج أحيانًا إلى من يمنح الطريق معنى حين نعود منه. إلى شخص لا يقيسنا بما حققناه فقط، بل يهتم بالعقل الذي أنتج الفكرة، وبالمحاولات التي سبقت النتيجة، وبالنسخة التي صرنا إليها بعد كل تجربة.
ومع مرور السنوات، أدركت أن الإنسان قد يتقن الاستقلال إلى حد بعيد، لكنه لا يتخلص من حاجته إلى أن يكون مفهومًا. قد لا يحتاج إلى مساعدة أحد، ولا ينتظر من أحد أن يفتح له بابًا أو يمهد له طريقًا، لكنه يظل محتاجًا إلى عين يرى فيها أثر ما فعله، وإلى قلب يشعر أن ما يحققه ليس مجرد خبر عابر في حياة الآخرين.
وهناك فرق كبير بين أن تكون ناجحًا في نظر الناس، وأن تكون موضع فخر في عيني أبيك.
فالناس يرون ما ظهر إلى النور، أما الأب فيحمل، بطريقة أو بأخرى، ذاكرة تكوّنك. يعرفك قبل أن تصبح ما أنت عليه، وقبل أن تحمل ألقابك ومسؤولياتك، وقبل أن تتقن الوقوف بثبات أمام العالم. لذلك تحمل نظرته معنى مختلفًا؛ فهو لا يرى الإنجاز منفصلًا عن صاحبه، بل يرى امتدادًا لسنوات من العمر، ولشخص كان يعرفه طفلًا، ثم شاهده يكبر ويصنع لنفسه مكانًا.
ولعل هذا ما يجعل غيابه مختلفًا عن سائر أشكال الفقد.
فحين يغيب الأب، لا يغيب شخص من الحاضر فحسب، بل ينقطع خيط يصل بين بداياتنا وكل ما أصبحنا عليه. نواصل الحياة، ونتخذ القرارات، وننجح، ونتعثر، ونكتسب خبرات جديدة، لكننا نكتشف أن هناك جزءًا من تجاربنا لم يعد له عنوانه القديم. ليس لأننا لا نجد من نخبره، بل لأننا لا نجد الشخص الذي كنا نريد أن نخبره تحديدًا.
وقد يكون أكثر ما يربكنا في الفقد أن الحياة لا تتوقف احترامًا لغياب أحد. تستمر الأحداث، وتتوالى الفرص، وتتسع المسؤوليات، ونصل إلى أماكن لم نكن نتخيل أننا سنصل إليها. نكتشف أشياء جديدة في أنفسنا، وننجز ما كان يومًا مجرد فكرة، ونصبح أكثر نضجًا وخبرة. لكن كلما اتسعت الحياة، أدركنا أن بعض مساحاتها لا يمكن أن يشغلها شخص آخر.
ليس لأن الآخرين أقل حبًا، ولا لأنهم لا يفرحون بنا، وإنما لأن العلاقات الإنسانية لا تُستبدل بتشابه الأدوار. فليس كل من يستطيع تهنئتنا يستطيع أن يمنحنا الشعور نفسه الذي كانت تمنحنا إياه نظرة أبي، وليس كل من يسمع حكايتنا يستطيع أن يجعلنا نشعر بأننا عدنا إلى مكاننا الأول.
أحيانًا لا نشتاق إلى الماضي كما كان، بل نشتاق إلى أنفسنا حين كنا نمتلك أشخاصًا بعينهم. نشتاق إلى الطريقة التي كنا نتحدث بها، وإلى بساطة الأشياء في حضورهم، وإلى قدرتنا على أن نكون أبناءً فقط، دون أن نكون مطالبين طوال الوقت بأن نكون أقوياء أو مسؤولين أو قادرين على تدبير كل شيء.
والمفارقة أن أكثر الأشخاص الذين اعتادوا الاعتماد على أنفسهم قد يكونون أكثر الناس إدراكًا لقيمة هذا النوع من الحب؛ لأنهم لا يبحثون عمن يحمل عنهم أعباء الحياة، وإنما عن شخص لا يحتاجون أمامه إلى إثبات قدرتهم على حملها.
أبي...
لم أكن أريدك أن تعيش معي كل التفاصيل، وربما لم أكن سأحكي لك عنها كلها حتى لو بقيت. لكنني كنت أحب فكرة أن هناك دائمًا حكاية سأعود بها إليك. كنت أحب أن يكون في نهاية كل مرحلة شخص أقول له: انظر ماذا حدث، دعني أشرح لك، دعني أحكي لك كيف وصلت.
والآن أفهم أن بعض الناس لا يكونون جزءًا من رحلتنا فحسب، بل يكونون جزءًا من المعنى الذي نمنحه للوصول إليها.
فما جدوى أن تتسع بنا الحياة إلى هذا الحد، إذا كانت هناك حكايات كثيرة ننجح في كتابتها، ولا نجد من نحب أن نقرأها عليه؟
ولا أظن أن الحب الحقيقي يُقاس فقط بمدى افتقادنا لمن رحلوا، بل أيضًا بمدى استمرار رغبتنا في إشراكهم في الحياة رغم غيابهم.
ما زلت أحقق، وأتعلم، وأتغير، وأصل إلى أماكن جديدة. وما زلت أحتفظ، في مكان عميق لا تطاله الأيام، بتلك الرغبة القديمة في أن أحكي لأبي.
ليس لأنني لم أتعلم كيف أعيش بدونه، بل لأنني تعلمت أن أعيش، واكتشفت أن هناك حبًا لا تنتهي صلاحيته بانتهاء الحضور.
بعض الآباء لا نشتاق إليهم فقط لأنهم كانوا معنا، بل لأننا كنا نحب أن نكون معهم. ولأن في أعينهم كانت لنا دائمًا صورة لا نحتاج إلى شرحها، وفي أسئلتهم مساحة لا نحتاج فيها إلى اختصار حكاياتنا، وفي وجودهم ذلك اليقين الهادئ بأننا، مهما كبرنا وابتعدنا وبلغنا من الحياة ما بلغنا، ما زلنا نملك مكانًا نعود إليه... ونظل فيه أبناء.
التعليقات