ما لا يراه المشاهد خلف الإطار...
يقف الناس أمام اللوحة وقد استقرّت أخيرًا في إطارها المذهّب، تتدلّى فوقها إضاءة محسوبة بعناية، فتبدو مكتملة، واثقة، كأنها وُلدت هكذا بلا مخاض. تتعالى همسات الإعجاب أو الشماتة ، وتُختصر الحكاية في كلمة واحدة من كلمتين: "نجاح أو فشل ". غير أن أحدًا لا يتساءل عمّا جرى قبل هذه اللحظة، ولا عمّا دُفن في الطريق كي تصل الصورة إلى هذا الصفاء المزيّف. ما يُعرض أمام العيون هو الخاتمة، أما القصة الحقيقية فمخفية في المسافة الموحشة بين الفكرة الأولى واللمسة الأخيرة.
وينقسم الناس أمام هذا المشهد إلى أطيافٍ من المرايا المشروخة؛ فمنهم المعجب الحقيقي الذي يرى في اللوحة خلاصًا لا يدرك كلفته، ومنهم المستخفّ الذي يظن أن الإبداع نزهة، فيتساءل بجهل: "ماذا فعل؟ وما قيمة ماصُنع؟"، ومنهم المشكك الذي تأكله الضغينة فيدّعي أن يداً خفية هي التي صنعت ما أبدع، ومنهم من يرى القبح حيث يتجلى الجوهر.
أما هو، المبدع الواقف في ركنه البعيد، فيراقب هذا الضجيج بعينين غائرتين لا تبصران من هؤلاء أحداً. لا يطربه المديح، ولا تدميه السهام، ليس كبراً، بل لأن مخاض الرحلة كان أقسى من أن يترك فيه متسعاً للالتفات خلفه. لقد خاض من الوحشة والشك والنزاع مع الذات ما جعل نظرات الناس، مهما اختلفت، تبدو كرتونية، باهتة، وسطحية إلى حد يدعو للشفقة. ما قيمة "كلمة" تقال في ثوانٍ، أمام "عمر" سُكب في المحاولة؟ كيف يكترث لمن يقول "لم يفعل شيئاً"، وهو الذي مات وعاش ألف مرة لضبط انحناءة خط أو عمق ظل؟
إن الرحلة قد صهرته لدرجة لم يعد فيها الإطار يعنيه، ولا من يقف أمامه. لقد كانت الطريق موحشة لدرجة أن الوصول لم يعد انتصاراً، بل هو مجرد "توقف عن الركض". هو يعلم أن هؤلاء يشاهدون "النتيجة"، أما هو فيسكن "الذكرى"؛ ذكرى اليد التي ارتعشت، والروح التي انقبضت، والعقل الذي كاد أن يفقد صوابه وهو يطارد المعنى.
خلف هذا البريق، تمتد جغرافيا كاملة من الألم لا تُعلّق على الجدران. كم مرّة ارتجفت يده وهو يحاول القبض على صورةٍ تراوغه؟ وكم ورقة مُزّقت لأنها خانت الحلم بدل أن تترجمه؟ إنهم يرون تناغم الألوان، لكنهم لا يرون السنوات التي استُنزفت في البحث عن معنى، ولا الليالي التي إنكسر فيها أمام قماشه لأنه عصيّ، صامت، لا يستجيب. لا يشهدون لحظات الانهيار حين يكتشف أن ما في يده لا يقترب مما في بصيرته.
اللوحة التي تُثير حسد العابرين ليست عند صانعها تاجًا، بل بقايا احتراق. لم يعمل ليُرضي عين المتلقي، بل ليخوض صراعًا داخليًا عنيفًا، محاولةً لترميم شرخٍ ما في ذاته. ما يبدو لك كمالًا، يراه هو نقصًا فادحًا، ومحاولة أخرى لم تكتمل. هو وحده يرى العرق المختلط بالشك، والدموع التي سالت دون شهود، والسقوط الذي كان ثمن كل خطوة للأمام.
المفارقة أنه نادرًا ما يعترف لنفسه بالنجاح لأنه يدرك أنها غايه لن يصل اليها العاقل . يدرك، بوضوحٍ مؤلم، أن الرحلة وحدها هي المكسب الحقيقي؛ رحلة المحاولة المتكررة، والفشل النبيل، والقيام من جديد رغم اليقين بأن الوصول الكامل وهم. هو لا يحتفل بالنتائج، بل يتحمّلها، لأنها تذكّره بكل ما لم يستطع قوله بعد.
ما تراه أنت نورًا، يراه هو ندبة. كل عمل منجز هو أثر معركة، لا زينة انتصار. وربما لم يشعر بالاكتفاء حين علّق لوحته، بل شعر بشيء يشبه السلام فقط في اللحظة التي قرر فيها ألا ينسحب، ألا يخذل محاولته الأخيرة.
النجاح، في جوهره، ليس ما يُعلّق داخل إطار، بل ما يبقى خلفه: الوجع الذي صُقِل بالصبر، والسعي الذي لا يعرف التوقّف، والقبول العميق بأن تكون الرحلة غايةً بذاتها. لنتنهي ليبدأ رحلة جديدة ولوحه اشق وأصعب..
التعليقات