أكثر من عشرين عاماً تمرُّ على رحيلك ولم نشعر أبدا بغيابك، لأنك موجود بيننا دائما بأعمالك وروحك المصرية الأصيلة التي قادتك إلى الكتابة عن المصريين القدماء في أعمالك الاولى الرائعة: عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة. وحينما ظننا أن مشروعك الأدبي عن مصر القديمة قد انتهى؛ بل ظننتَ أنتَ أيضا ذلك؛ إذ تعود إلينا بالعائش في الحقيقة لتقدم لنا روايةً صوتية أو بلوفونية عن أخناتون؛ ثم تقدم لنا "أمام العرش" وتعقد محاكمة لحكام مصر من عهد مينا موحد القطرين إلى عصر السادات؛ وغيرها من الأعمال؛ فهل كنت تقتفي أثر أمير الشعراء أحمد شوقي في هذا المجال عندما كتبَ في بداية حياته الأدبية ثلاث روايات عن مصر القديمه؛ وقال: مصر بلدٌ كلُّ شيءٍ فيه يُنسى بعد حين. ثم جاءت عبارتك الشهيرة في نهاية بعض فصول رواية "أولاد حارتنا": "ولكن آفة حارتنا النسيان".
كلاكما كان قمة في أعماله؛ أحمد شوقي كان أميرًا للشعر العربي؛ وأنتَ أصبحت أميرًا للرواية العربية. كلاكما أحبَّ مصر والنيل والتاريخ والتراث العربي وألف ليلة وليلة وسعد زغلول. كلاكما أحبَّ صوت أم كلثوم وصوت الراعي المصري القديم. كلاكما أحبَّ القاهرة والإسكندرية وسكن شوقي في بيت أسماه "درة الغواص" في الإبراهيميه بالإسكندرية وأنت سكنت في منطقة سان استيفانو وكتبت ميرامار والسمان والخريف والطريق.
أتخيل فرحتك عندما دعا الأستاذ محمد حسنين هيكل سيدة الغناء العربي أم كلثوم لتغني في عيد ميلادك الخمسين عام ١٩٦١بجريدة الأهرام في سابقة لم تحدث من قبل ولا من بعد. وحضر معها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة وجمع غفير من الأدباء والكتاب والمثقفين المصريين يتقدمهم الكاتب الكبير توفيق الحكيم.
ولا زلت أتذكر آلامك وأوجاعك بعد الطعنة الغادرة في مساء الجمعة ١٤ أكتوبر ١٩٩٤ التي لم تُصبك وحدك بل إصابت جموع المصريين الذين أحبوك وقرأوا لك وشاهدوا أفكارك وشخصيات رواياتك تتحرك على الشاشتين الكبيرة والصغيرة وأيضا على خشبة المسرح.
وإذا كنا قد تألمنا وتوجعنا بعد الطعنة الغادرة؛ فإننا قبلها فرحنا وسعدنا بفوزك بجائزة نوبل للآداب في عام ١٩٨٨ والتي لم يفز كاتب عربي قبلها ولا بعدها بها حتى الآن.
وقد سعدت جداً بأنني تمكنت من وضع ستة كتب عنك حتى الآن وهي: رواية "الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ"؛ وكتاب "نجيب محفوظ بلا معطف"؛ وكتاب "عصر نجيب"؛ وكتاب اشتركتُ في تأليفه مع كتاب آخرين هو "نجيب محفوظ شرقًا و غربًا"؛ ومسرحية "نجيب محفوظ بداية ونهاية"؛ وأخيرا وليس آخرا كتاب "شوقي ومحفوظ من الإمارة إلى نوبل"، وأوضحت فيه المتشابهات الكثيرة والاختلافات القليلة بينك وبين أمير الشعراء أحمد شوقي. ودائماً سنحتفل بك و بإنتاجك الأدبي العظيم.
التعليقات