قد نعيش العمر كله دون أن نلتقي بمن يشبهوننا، رغم أنهم كُثر؛ فكل شبيه يبحث عن شبيهه كقرينٍ تاه عن قرينه، يظل ينشده في زحام الأيام، وعندما يجده ربما يكون الوقت قد تأخر، فلا ينعمان بالسعادة طويلاً. ومع ذلك، فإن لحظة سعادة واحدة في اللقاء وإن قَصُرت تساوي العمر كله.
الذين يشبهوننا في الحياة هم الذين يحملون "جينات" الأخلاق والقيم والمُثل، يحملون أحلاماً وأماني تنتمي لطبيعة الحياة في "المدينة الفاضلة" التي تسكن خيالهم دائماً. هؤلاء يحملون نفس أفكارنا، ونفس حريتنا، يحبون للآخر ما يحبون لأنفسهم من خير، ويقدرون رأي الآخرين وإن اختلفوا معهم في الأيديولوجيا أو العقيدة. هم فئة لا تسب ولا تقذف، لا تنافق ولا تتسلق، لا يغشون في مشاعرهم ولا يكذبون في حياتهم، ولا يتعصبون لمذهب أو جماعة، بل يرفضون العنف والتطرف بكل أشكالهما.
الذين يشبهوننا لا يخشون إلا الله، يعبدونه في السر أكثر من العلن، ويتقونه حباً لا خوفاً، لأنهم ذاقوا من حلاوة القرب ما لم يذقه أحد؛ فبينهم وبين الخالق أسرار وروحانيات تجعل الحق حاضراً في قلوبهم وأرواحهم وعقولهم. هؤلاء يعشقون العلم ويحتكمون للعقل؛ يفكرون، يتأملون، ويتدبرون، وإن خاطبهم الجاهلون قالوا "سلاماً" وأعرضوا عنهم. نرى أنفسنا فيهم كأنهم مرايا الذات وصدى الروح، ورغم أننا قليلاً ما نجدهم، إلا أن الحياة تصر على تفرقتهم، لتمهلهم لقاءً أخيراً في الحلقة الختامية من مسلسلها الدرامي العبثي.
كثيراً ما نتوهم في بداياتنا أن البعض يشبهوننا، لكننا نكتشف زيف ذلك مع أول خلاف أو أول تعامل حقيقي. أما الذين يشبهوننا حقاً، فنكتشفهم منذ اللحظة الأولى وإن تأخر اللقاء؛ فالمواقف هي التي تُبين معادن الناس، فمنهم من يلمع من الخارج كأنه ذهب ثم نكتشف أنه مجرد "طلاء"، ومنهم المعدن الحقيقي والأصيل؛ أولئك أصحاب المبادئ الذين لا يتغيرون ولا يتلونون. هؤلاء موجودون حقاً في هذه الحياة، وعلينا أن نحافظ عليهم ونتمسك بهم بكل قوتنا إذا ما التقينا بهم يوماً.
الذين يشبهوننا هم الذين ينامون وليس في قلوبهم حقدا ولا غلا ولا كراهية أو حسدا لأحد ، إنهم الذين في قلوبهم الرضا والسلام ، وسيماهم على وجوههم من أثر المحبة ونقاء وصفاء القلوب وجمال الروح فيهم .
التعليقات