«فى كل مرة أنشر فيها مقالى أحاول جاهدة أن أكتب ما يقنع القلب بالنبض عندى، وما يقنع الروح بالعيش بعدى، إن حضارة الإنسان وتاريخه ومستقبله رهن كلمة صدق، ورؤية صدق وشعار صدق، فبالحق نعيش وبالرحمة نسمو»... هذه ليست كلماتى وإنما ومضات من الحكمة تشع نورًا تخترق الوجدان فتسكن القلب وتستقر على بساط الروح لصاحب العلم والإيمان الدكتور العلاّمة مصطفى محمود رحمه الله، الذى يسكن فسيح الجنات بعدما أدى دوره على أكمل فكر وأروع رؤى وأعطانا دروساً فى الحياة فتحت أمامنا آفاقاً من المعارف ومنحتنا تجارب أرحب من مجرد الاستماع والمشاهدة، ولا تزال كلماته وأفكاره وأطروحاته تتحقق بحذافيرها حتى يومنا هذا، فقد كان لديه بصر علم وبصيرة إيمان لا يضاهيها أحد، استعابت الماضى بشجاعة، وتفاعلت مع الحاضر بدراية، وتنبأت للمستقبل عن وعى، واليوم أشارككم متعة قراءة قصة من سطوره الثرية تحمل خلاصة الخلاصات بعنوان «فى نعمة الستر».
يقول الدكتور مصطفى محمود:
كان فيه راجل يبيع جرايد جنب حديقة الحيوانات بالجيزة، وكنت أعدى عليه كل يوم بعد توصيل زوجتى للعمل وفى الغالب كنت أقف معاه شويه وبعدين اشترى منه جريدة الأهرام عشان أتعلم أسلوب الكتابة من عظماء الكُتّاب، لكن الرجل البسيط هذا، علمنى حاجة أهم بكثير من كل ما قرأت، هذا الرجل علمنى درس مهم جدًا للعمل اسمه (فى نعمة الستر)، لما كنت أسأله إزيك النهاردة يقولى بمنتهى الرضا والقناعة (فى نعمة الستر) فاندهشت من الإجابة المعتادة التى لا تتغير كل يوم وسألته ليه الستر تحديدًا، فقال لى لأنى مستور من كل الجهات، وزاد اندهاشى وتعجبى، ستر إيه يا حج اللى بتتكلم عليه ده إنت البلوفر بتاعك فيه رقعتين مختلفتين اللون، فلما أحس بغبائى فبادر بالشرح الآتى ولم تغادرنى الدهشة من وقتها.. قال لى الستر ده أنواع يا بيه:
لما تكون مريض بس قادر تمشى على رجلك، ده ستر من مذلة المرض!
لما جيبك يكون فيه جنيه يكفيك تنام متعشى حتى لو عيش حاف، ده ستر من مذلة الجوع!
لما تكون قادر تضحك وأنت حزين لأى سبب، ده ستر من مذلة الكسرة!
لما تقدر تتصل فى أى وقت بأهلك تطمنهم عليك وتطمن عليهم، ده ستر من مذلة الوحدة!
لما تكون عندك وظيفة حتى لو بياع جرايد زى حالاتى ومش بتمد إيدك لحد، ده ستر من مذلة السؤال!
لما يكون ابنك ربنا مبارك فى صحته وتعليمه وبيته، ده ستر من مذلة القهر!
لما يكون عندك زوجة بنت حلال وشايلة الهم معاك، ده ستر من مذلة الحزن!
لما يكون عندك جيران وأصحاب وحبايب يفرحو لفرحك ويزعلوا لزعلك وفى ضهرك فى كل الأوقات، ده ستر من مذلة الحوجة!
لما يكون عندك سقف وأربع حيطان وعايش فى أمان، ده ستر من مذلة البهدلة!
لما تكون غنى ببركة ربنا وعظيم ألطافه وواثق فى رحمته وعدله وعارف إنك غالى عنده ولا يمكن يرد لك طلب، ده ستر من مذلة الشيطان!
«الستر يا ابنى مش ستر فلوس، الستر ستر نفوس، والرخيص مش فى شكله وهيئته إنما فى أخلاقه ومعاملته».
يا رب اغنينا بغناك وبارك لنا فى رضاك ويسر طرقنا وأعمالنا وأرزاقنا وأنعم علينا بالسكينة والطمأنينة والصحة والعافية ونعيش فى نعيم سترك... يا من أرحتنا من كل جهة لك الحمد والشكر على عظيم مراحمك وإحساناتك وجودك الذى وعدتنا به.
التعليقات