رغم أن بعض حقائق الدنيا أو بعض خبايا النفس واضحة وضوح الشمس، لكن تتعجب يا صديقي أن لا أحد يراها.
كثير من الناس يعرفون جيدا ماذا يريدون. قد تتشارك أحلامهم في نعمة الصحة أو المال أو الذرية الطيبة أو الوظيفة الجيدة. إن تلك الأحلام والأمنيات كبيرة ومشروعة لكنها قد لا تحقق لك السعادة.
لعل قمة الغرابة أن السعادة يا صديقي لا تحصل عليها إذا ما حصلت على مبتغاك.
تجتهد لسنوات لتحصل على راتب جيد تشتري به شقة كبيرة أو فيلا أو شاليه للمصيف ثم يأتي اهتمامك بكل ذاك فاترا كأنك لم تحلم به وتسعى إليه.
السواد الأعظم من العطايا أو البلايا لا يبهج النفس أو يكسرها قدر ما يفعل الحزن بداخلك.
اختبارات الدنيا تعلمك أن السعادة ليست في أن تدرك ماذا تريد بل أن تدرك بقوة ما لا تريد!
قد يشكل هذا الوعي جحيم لا يطاق، لكن في حقيقة الأمر هو خطوتك الأولى الصحيحة في طريق ما تريد.
وهل ما لا أريد قادر على تحقيق السعادة؟ بلا، قادر على صمود قلبك وتنظيم أنفاسك في الدنيا بطريقة يتعذر معها السقوط.
كلنا نعرف أشخاص لديهم تقريبا كل شيء، رغم ذلك تجده إما ناقما أو حاسدا أو لاهيا.
بجانب كل النعم الجميلة تلك يجب أن تُمْنَح الأمان، أن يُستخدم قلبك في النماء، أن تؤجر محبة، أن تبقى بأعلى مقام لروحك، أن تجد مكان شاغرا لك طوال الوقت، ألا يجلس على كرسيك أحد، أن يصير المقربين أقارب وليس عقارب، أن تُعطى من وَسع، وأن تُربي الأيام شيء ما آمن وأنت بجانب أحدهم، ألا يدفعك وغد ما لشعور أنك لا تكفي .. صديقي أنت دومًا تكفي!
عندما يتوقف الأشخاص عن رؤية الأشياء الطيبة بداخلك، يحين موعد الرحيل ليفتقدوها.
يقول الكاتب الرائع باولو كويلو: "إذا انتبهت إلى حاضرك، أمكَنك جعله أفضل ممّا هو عليه. ومتى حسّنت الحاضر، فإن ما يأتي بعد ذلك يكون أفضل أيضًا".
يلعب النصيب دورا جليلا في دنيانا، لكني أؤمن بأن تغيير كفة النصيب لتعمل لصالحك تركها الله بين أيدينا.
سيظل حسن الاختيار مرساة النجاة.
لا تختار لتربح بل اختار لتأمن!
لا تتفاوض على مرورك الآمن في دنيتك، استخدم قوتك الداخلية لتحصل على سعادتك، لا ترضى بالقليل لأنك تستحق دائما الأفضل، واعلم أن الشخص الذي يجعلك تتسول إنسانيتك لا يليق أن يشتم رائحتك.
يجب أن تبدأ دوما بما لا تريد وما لا تحب، تضع لستة مطولة بكل الأشياء والمشاعر التي تكرهها وتستثمر العمر في اجتنابها.
صديقي .. تمتلأ القلوب بالرضا وقت أن تدرك أن نعمة الصحبة تكتسب مكانتها من نبلها وليس مما تحصل عليه من خلالها.
بمرور الوقت تدرك أن الصحبة أهم من الرحلة، أن الرزق في القبول جهد سنين من الوفاء، أن الوصول توفيق وأن السند الجميل منحة ربانية للمصطفين.
إن أجمل ما تتحصل عليه يا صديقي في رحلتك أن تكون حاضرا فيها، ألا يمر بك العمر ويحيطك الندم، ألا تشعر أن أيامك سُرِقت، ألا يتغير عليك المحبين، وألا تتمنى مزيد من الوقت لأنك لم تعرف هذا الحب بعد.
التوازن الذي يضيفه حسن الاختيار هو الماء المعين الذي يروي ظمأ المرور الخشن في الدنيا.
من السهل أن تضع قائمة بأمنياتك، لكن حتما ما تكره هو ما يشكل سعادتك بطريقة أو بأخرى.
معظمنا يعيش ويموت ولا يعرف نفسه، لم يكلف خاطره أن يسأل طوال سنوات عمره عما يحب أو يكره، لم يسعى لتجنب أذى المحيطين، يقف عاجزا يسب الدهر الذي أوقعه في صحبة فلان أو حرمه صحبة علان، يعيش بكلمة من هنا وسطر من هناك مؤدي للعيش لا يحيا إلا بقدر أنه يتنفس.
ما لا يقوله له لنا الآباء أن قائمة ما نكره تأتي قبل قائمة ما نحب، وأن مسلكنا ونهايتها مرهونة بسعينا وليس بحظوظ، وأن الخير كل الخير في التخلص من العوار الذي يصاحب دنيتك، وأخيرا أن سعادتك تتشكل بإرادتك رغم تقبلك أو تجنبك أحيانا بعض ما كرهت، لتصير البطل الحقيقي في قصة أحدهم.
فهل سألت نفسك الآن عن ما لا تريد؟
التعليقات