تأتي رواية "عمدة عزبة المغفلين" للكاتب الروائي رضا سليمان كوثيقة أدبية وإنسانية بالغة العمق، ترصد أدق تفاصيل التحولات "السسيو-اقتصادية" التي طرأت على الريف المصري في نهاية القرن العشرين، وتحديداً مع بدء التطبيق الفعلي للقانون رقم 96 لعام 1992 الذي قضى بإنهاء العلاقة الإيجارية الممتدة للأراضي الزراعية وإعادتها إلى الملاك القدامى.
في هذا العمل المكثف، (وهو نوفيلا أو رواية قصيرة)، لا يقدم الكاتب مجرد حكاية عن الأرض والزرع، بل ينسج مرثية تراجيدية لجيل كامل من الفلاحين، جيل جسّده ببراعة واقتدار بطل العمل "فتيحة فرج" وزوجته "سعدية"، اللذان تحولا عبر صفحات الرواية من رمزين للفلاح المتمسك بجذوره، إلى ضحيتين لإعصار التغيير الذي لم يرحم حياءهما، ولا كبرياءهما، ولا فتوتهما المنبعثة.
تبدأ النوفلا برسم ملامح الوجود اليومي في قرية "الكرامة التابعة لمركز أجا بمحافظ الدقهلية في شمال مصر"، حيث تنبعث تفاصيل الحياة البسيطة مشحونة بخصوصية البيئة الريفية؛ من مشاتل الأرز ومائها البارد، إلى أصوات الفتيات العاملات تحت ظل الشجر يغنين "يا أبو جلابية مزهرة" في طقوس طقس "الشتل، والضم"، وصولاً إلى فضاء "الجرن" الذي يتحول فيه لعب الأطفال وشقلباتهم فوق أكوام القش إلى أداة فطرية لفرط الحبات عن السنابل.
في هذا المناخ، يفجر الكاتب مفارقة إنسانية مذهلة تتمثل في انبعاث جذوة الحب والفتوة بين فتيحة وسعدية بعد عقود من الفتور والابتعاد، وهو ما عبر عنه الكاتب بعبارته البليغة حول "إزالة الغبار عن الذهب". هذا الانبعاث الجسدي والنفسي، وتحدي فتيحة لسنوات عمره بإنجاز عمل خمس عاملات وحده في الطين، لم يكن سوى طاقة داخلية دافعة مستمدة من فيض الأرض، حيث بدت الأرض والزوجة في وعي فتيحة الباطني معشوقة واحدة ونبعاً أولاً وأخيراً للحياة.
إلا أن هذا التوهج العاطفي يصطدم سريعاً بجدار الرقابة الاجتماعية الحذرة؛ فنرى سعدية تسدل طرف طرحتها لإخفاء بقع وجهها وخجلها الحمراء عن عيون نساء القرية، بينما يتلقى فتيحة نظرات عتاب مبطنة من رجال الجامع بعد ليلة فرح ابنه جابر، التي صخبت بفرقة وفيديو وصورتها القرية كخروج عن الوقار المعهود.
لكن الصخب الاحتفالي سرعان ما يذوب في عمق المأساة مع انتشار طراطيش الكلام ثم اليقين حول قرار الحكومة بإعادة الأراضي إلى ملاكها.
هنا، ينتقل الكاتب بالرواية إلى فضاء المسرح السياسي والاجتماعي، راصداً التحول الطبقي الأليم من خلال الحوارات العبقرية الممتدة بين الفلاحين تحت شجرة الصفصاف وأمام الجامع.
يبرز الكاتب كيف تسقط الأرض من أيدي زارعيها الأصليين الذين أفنوا أجسادهم تحت طينها، ليتملكها بالمال والملايين وافدون جدد كـ "حمو" الحلاق الحريمي، أو "الشيخ خميس" المقاول، وهم شريحة لا تعرف كيف تمسك بالفأس، لكنها تسعى لامتلاك "الطين" كصك وجاهة اجتماعية طارئة، بينما يُطرد الفلاح الحقيقي؛ أو يُدفع للعودة إلى زمن الترحيلة والعمل باليومية.
تنعكس هذه الصدمة الاقتصادية على البنية النفسية والجسدية لفتيحة؛ فتتساقط أسنانه البالية فجأة، ويلتصق خداه يئساً، وتتحول رغبته الدفينة في أن يُدفن تحت طين أرضه إلى حسرة مجهضة.
يتجسد هوان الكهولة المباغتة في أقصى صوره عندما يعوده ابنُه رشاد ويدس في جيبه مبلغاً من المال، فيبكي فتيحة للمرة الأولى في حياته كطفل، مستشعراً أن ما يناله ليس براً بل "صدقة" تهدم أساس كبريائه، من قبل كان يأخذ لأنه يستطيع أن يعطي... اليوم... بعدما نزعوا أرضه... من أين يحصل على المال ليعطي؟!
وتصل النوفلا إلى ذروتها الدرامية في مشهد النهاية الصاعق الذي صاغه الكاتب برؤية تراجيدية محكمة؛ حيث يُساق فتيحة ليوقع على وثيقة التنازل عن أرضه في أحد منازل القرية، فالمالك لا بيت له في القرية... يتجسد الهوان في نظرات المالك المستبد التي تقطر شماتة واحتقاراً، وكأنها تأمر "الجرجوع" بالبصم والانصياع.
في تلك اللحظة، التي تخور فيها قوى فتيحة الجسدية ويتمنى فيها حضور ملك الموت لينقذه من ذل المثول، يناوله المالك قلماً ذهبياً فاخراً ليوثق به هزيمته الأبدية. وهنا تنفجر المفارقة الفنية الكبرى؛ إذ يتحول القلم الذهبي في يد الفلاح المقبوضة من أداة للتوقيع والإذعان، إلى سلاح ثائر للدفاع عن شرف العمر؛ وبدلاً من أن يخط به صك عبوديته، يرفع يده ليهوى بها في عنف. وتنتهي الرواية مع خروج مرافق المالك صارخًا "الحقونا". ولم يحدد الكاتب هل انتحر فتيحة أم قتل المالك... لكنك، كقارئ، ستجد نفسك بشكل مباشر تعرف أن فتيحة قد اندفع بكل ما أبقته الصدمة من جبروت وحنق للتخلص من هوان الحياة، فيغرز القلم كخنجر مسموم في ثنايا رقبة المالك البيضاء المترهلة.
وتعلم أن العمل ينتهي بصرخات المرافق المذعورة في الشارع، لتعلم القرية أن فتيحة لم يوقع على التنازل، بل وقع بدم الإقطاعي الجديد على صك تمرده الأخير.
إن "عمدة عزبة المغفلين" ليست مجرد رواية عن خسارة فدان زراعي، بل هي شهادة أدبية جارحة على تمزق الهوية الريفية، وصرخة احتجاج حادة ضد القوانين التي نزعت من الإنسان معشوقته وجذوره، فجعلت من حبر الأوراق دماً، ومن انكسار الفلاح جناية حاسمة.
التعليقات