حين يُذكر التنوير، تتجه الأنظار تلقائيًا إلى وزارة الثقافة ووسائل الإعلام باعتبارهما المسؤول الأول عن تشكيل الوعي العام وبناء الذوق والوجدان. ورغم أهمية هذا الدور، فإن اختزال قضية التنوير في مؤسسات الدولة وحدها يُعدّ تقزيمًا لمهمة أكبر وأعمق؛ فالتنوير الحقيقي لا تصنعه المؤسسات بمفردها، بل يصنعه كل صاحب فكر ومعرفة وقدرة على التأثير.
لقد نجحت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة في تقديم عدد من المبادرات الثقافية الجديرة بالتقدير، وسعت إلى كسر الحواجز التقليدية بين الثقافة والجمهور؛ فشاهدنا – مؤخرًا - العروض الفنية والثقافية تنتقل إلى محطات المترو، وتخرج بعض الفعاليات من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام. وهي جهود تستحق الإشادة، لكنها تظل خطوة أولى على طريق طويل ما زال يحتاج إلى الكثير.
فإذا نظرنا إلى خريطة العمل الثقافي في مصر، سنجد أن القاهرة الكبرى والإسكندرية وعواصم المحافظات ما زالت تتمتع بالنصيب الأكبر من المسارح ودور العرض والندوات والأنشطة الثقافية. أما القرى والنجوع والمناطق النائية، فما زالت تنتظر نصيبها العادل من هذه الخدمات التي لا توفر الترفيه فحسب، بل تسهم في تهذيب الذوق العام وترسيخ قيم التفكير والوعي والانتماء.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بوضوح: مَن هي الفئات الأكثر احتياجًا إلى التنوير؟
هل هم المثقفون الذين يحضرون الندوات والصالونات الثقافية ويشاركون في المناقشات الفكرية؟ أم ربات البيوت في الريف، والشباب أصحاب الحرف الذين لم تسمح لهم ظروف الحياة باستكمال تعليمهم، والفتيات في القرى والنجوع اللاتي أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا لتشكيل وعيهن وثقافتهن؟
إن كثيرًا من الندوات والملتقيات الثقافية تُقام أمام جمهور من المثقفين، وكأن الثقافة تخاطب نفسها بنفسها، وهنا تكمن المشكلة؛ فالمثقف ليس الفئة المستهدفة بالتنوير، بل هو أحد أدواته الأساسية. ودوره لا يقتصر على الحضور والمشاركة، وإنما يمتد إلى نقل المعرفة والوعي إلى من لم تُتح لهم الفرصة للوصول إليهما.
فأين المسرح الذي يذهب إلى مدارس القرى؟ وأين الندوات التي تُعقد في مراكز الشباب والجمعيات الأهلية في المناطق البعيدة؟ وأين المبادرات الثقافية التي تخاطب الناس بلغتهم البسيطة وتناقش قضاياهم اليومية؟ وأين المثقف الذي يخرج من دائرة النخبة إلى فضاء المجتمع الواسع، ليجلس مع الناس فوق الحصير وتحت الشجر وفي جلسات أو قعدات المصطبة؟
إن معركة الوعي لا يمكن أن تكسبها وزارة أو مؤسسة بمفردها، إنها مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر بالإعلام والمؤسسات الثقافية، ولا تنتهي عند المثقف الذي يمتلك المعرفة ويستطيع أن يجعل منها قوة تغيير حقيقية، لكنه قد لا يجد الدعم اللازم لتحقيق ذلك.
إننا بحاجة إلى إعادة تعريف دور المثقف في المجتمع؛ فالمثقف ليس ضيفًا دائمًا على الندوات، ولا متحدثًا بين أقرانه فقط، بل هو صاحب رسالة، ورسالة التنوير لا تكتمل إلا حين تصل إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
لذلك، فإن النداء اليوم موجَّه إلى كل مثقف ومبدع وصاحب فكر في هذا الوطن: اخرجوا إلى الناس، اذهبوا إلى القرى والنجوع ومراكز الشباب والمدارس، واقتربوا من الفئات التي لم تصلها الثقافة بعد. فحين يصبح التنوير فعلًا مجتمعيًا لا نشاطًا مقتصرًا على النخبة، وحين يشارك المثقف في حمل رسالته إلى الجميع، عندها فقط يمكن أن تؤتي القوة الناعمة ثمارها، وأن يصبح الوعي قوة حقيقية تبني الإنسان وتصنع المستقبل.
ولكن، يجب التأكيد على أن هذا المثقف لن يفعل ذلك بمفرده معتمدًا على قدراته الخاصة -ولا سيما المادية- بل لا بد أن ترصد وزارة الثقافة التمويل اللازم لهؤلاء المثقفين وتنسق عملهم، كي يصلوا بأفكارهم التنويرية إلى مَن يستحقها؛ إلى أبناء الوطن في القرى والنجوع والمناطق الحدودية، تلك المناطق التي تُعدّ أرضًا خصبة لانتشار الأفكار التخريبية ما لم تحصّنها الثقافة.
التعليقات