كثيرًا ما تُتهم «عبقريات العقاد» بأنها كتب صعبة، وأن أسلوب صاحبها يميل إلى التعقيد، مما يجعل القارئ العادي ينفر منها قبل أن يمنحها فرصة حقيقية. وربما ساهمت هذه الصورة الذهنية في ابتعاد أجيال كاملة عن واحدة من أهم السلاسل الفكرية والأدبية التي قدمها الأديب الكبير عباس محمود العقاد.
لكن تجربتي الشخصية مع العبقريات كانت مختلفة تمامًا.
عندما بدأت قراءة هذه الكتب لم أجد نفسي أمام نصوص معقدة بقدر ما وجدت نفسي أمام محاولة واعية للكشف عن جوانب متعددة من شخصيات عظيمة صنع أصحابها التاريخ.
فالعقاد لم يكن يكتب سيرة تقليدية، ولم يكن يسرد أحداثًا متتابعة، بل كان يحاول أن يجيب عن سؤال مهم: لماذا كان هؤلاء عظماء؟
في «عبقرية محمد» لا نقرأ فقط عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل نراه في وجوه متعددة؛ نراه قائدًا سياسيًا، وقائدًا عسكريًا، ومربيًا، وأبًا، وزوجًا، وصاحب رسالة غيرت مجرى التاريخ. ينتقل العقاد بين هذه الجوانب ليقدم صورة إنسانية متكاملة للنبي الكريم، تجعل القارئ أكثر قربًا من شخصيته وأكثر فهمًا لعظمة أثره.
وفي «عبقرية الصديق» و«عبقرية عمر» و«عبقرية علي» لا يكتفي العقاد بالسرد بقدر ما يحلل الصفات التي صنعت تلك الشخصيات الاستثنائية؛ فيكشف عن الحكمة، والشجاعة، والعدل، والإخلاص، وقوة الإيمان، وكيف تحولت هذه القيم إلى أفعال غيرت حياة أمة بأكملها.
ومن الجوانب المهمة التي ربما لا ينتبه إليها كثير من القراء أن العبقريات جاءت أيضًا ردًا فكريًا راقيًا على عدد من ادعاءات المستشرقين الذين تناولوا الرسول صلى الله عليه وسلم والتاريخ الإسلامي بغير إنصاف. فقد واجه العقاد تلك الادعاءات بالحجة والعقل والتحليل العميق، مقدمًا رؤية متوازنة تدافع عن الحقيقة دون انفعال أو تعصب.
وأعتقد أن المشكلة الحقيقية ليست في العبقريات نفسها، وإنما في طريقة الاقتراب منها. فهي كتب تحتاج إلى قراءة متأنية، وإلى قارئ يمنحها بعض الوقت والتفكير. وعندما فعلت ذلك اكتشفت أن العقاد كان يروي قصة مختلفة؛ قصة الإنسان العظيم الذي صنعت عبقريته أثرًا خالدًا في التاريخ.
ومن هنا ولدت لدي فكرة أعمل على تنفيذها بالفعل، وقريبا تخرج من المطابع، وهي تبسيط العبقريات للأطفال واليافعين. فهذه الكتب تحتوي على كنوز من القيم والسلوكيات والصفات الإنسانية الرفيعة التي يحتاج إليها أبناؤنا اليوم.
إن تقديم عبقريات العقاد للأجيال الجديدة بلغة تناسب أعمارهم قد يفتح أمامهم أبوابًا واسعة للتعرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، لا باعتبارهم شخصيات تاريخية فحسب، بل باعتبارهم نماذج إنسانية ملهمة تستحق أن تُعرف وتُدرس.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا النماذج المضيئة من تاريخنا المليء بها. وعبقريات العقاد، حين تُقرأ بوعي أو تُبسط بحب، قادرة على أن تقدم هذه النماذج في أبهى صورها، لتبقى منارات تهدي العقول وتلهم القلوب عبر الأجيال.
التعليقات