يغلق الإنسان بابه، ويظن أنه خلا بنفسه، ويجلس في غرفته وحيدًا، ويحسب أن الوحدة قد تحققت، ثم يكتشف أن الجسد وحده دخل الغرفة، وأن الرأس دخل معه بزحام كامل؛ أخبار لم تهدأ، وخصومات لم تحسم، وأصوات قديمة تحدد له ما يحب وما يخاف، وصور تقيسه بغيره، ورسائل تنتظر جوابًا، وأحكامًا جاهزة تتحرك في داخله قبل أن يسألها عن أصلها.
فهل تكون الخلوة جلوس جسد في مكان فارغ والعالم كله مقيم في الرأس؟ وهل يستحق اسم العزلة من ابتعد عن وجوه الناس وبقي سلطانهم متمكنًا من داخله؟ وما قيمة أن يغيب الناس عن العين إذا ظلوا يحكمون الخوف والرغبة والغضب، والحكم، والكلمة، والموقف؟
من هذا السؤال يبدأ معنى الخلوة في صورته الأعمق، فهي العزلة الذهنية التي يسترد بها الإنسان نفسه من ضجيج العالم، ويعيد بها عقله إلى الدليل، وقلبه إلى الصدق، ولسانه إلى الأمانة، وموقفه إلى العدل. وقد تتخذ الخلوة صورة انقطاع مكاني عند بعض أصحاب التصوف أو الفلاسفة أو الحكماء، فيبتعد الإنسان عن صخب الناس طلبًا لجمع القلب وصفاء النظر وتخفيف سلطان العادة والجمهور، وهذا طريق معروف في التجارب الروحية والفكرية، لكن جوهر الخلوة أعمق من المكان وأوسع من الانقطاع، لأنها تبدأ حين يتحرر الداخل من سلطان الخارج، ولو كان صاحبها في قلب السوق، وتنعدم حين يبقى الخارج مالكًا لمركز الحكم في النفس، ولو كان صاحبها في صومعة لا يراه فيها أحد.
قد يكون الإنسان بين الناس وهو في خلوة حقيقية، لأنه لا يسمح لكل صوت أن يدخل إلى مركز قراره، وقد يكون في غرفته بعيدًا عنهم وهو أبعد ما يكون عن الخلوة، لأن خوفه مأخوذ منهم، وغضبه مصنوع بأيديهم، وأحكامه محمولة على موجاتهم، وصورته عن نفسه معلقة بأعينهم. لذلك يبدأ سؤال الخلوة من الداخل: من يحكم في نفسي الآن؟ من يصنع خوفي؟ من يرتب أولوياتي؟ من يدفعني إلى الحكم؟ من يسبقني إلى لساني؟ من يستعمل غضبي؟ من يأخذ انتباهي ثم يترك لي وهم الاختيار؟
بهذا المعنى تصير الخلوة عزلة ذهنية عاملة، لا فراغًا ساكنًا، لأنها تتطلب التساؤل، والمراجعة، والتثبت، ومحاسبة النية، وفحص الطريق الذي دخلت منه الفكرة، وتمييز الدليل من العادة، والحق من الانتماء، والرحمة من حب الظهور بمظهر الرحيم، والغضب للحق من غضب النفس المجروحة، والصمت الحكيم من الصمت الذي يطلب السلامة، والكلام الواجب من الكلام الذي يحفظ لصاحبه صورته بين الناس.
فكل إنسان يحمل في داخله مجلسًا من الأصوات؛ جاءه بعضها من بيته، وبعضها من شيخه، وبعضها من خصمه، وبعضها من ذاكرته، وبعضها من شاشة صغيرة تفتح له العالم وتفتح عليه العالم في كل لحظة، ثم يتوهم أنه صاحب رأي مستقل لأنه نطق بما استقر في داخله، مع أن الاستقلال يبدأ قبل النطق، يبدأ حين يعرف المرء كيف وصلت الفكرة إليه، ومن أي باب دخلت، وبأي خوف ثبتت، وبأي رغبة تماسكت.
وقد يقول قائل: يكفيني أن تكون النتيجة صوابًا، فما شأن الطريق إليها؟ وهذا سؤال يبدو قويًا حتى ننظر في أثره، لأن الفكرة قد توافق الحق مصادفة، وصاحبها مع ذلك لا يملك ميزانًا يضمن له الثبات على الحق حين تتغير الموجة. من وقع على الصواب وقوعًا قد يقع غدًا على ضده وقوعًا مماثلًا، ومن لم يعرف الطريق إلى النتيجة لا يعرف كيف يدافع عنها، ولا كيف يراجعها، ولا كيف يفرق بينها وبين ما يشبهها. فالأمانة لا تقف عند صحة العبارة، وإنما تمتد إلى الطريق الذي جاءت منه، والنية التي حملتها، والميزان الذي حفظها.
ومن هنا يصح أن تكون الخلوة واجبًا إنسانيًا سابقًا على كثير من الواجبات العملية، لأنها تحفظ الأداة التي يؤدي بها الإنسان واجباته كلها؛ تحفظ عقله من التبعية، وقلبه من القسوة، ولسانه من الظلم، وضميره من التبرير، ونيته من الخداع. وكيف يكون الإنسان مؤتمنًا على كلمة، أو حكم، أو نصرة، أو شهادة وهو لا يعرف من أين تأتي أحكامه؟ وكيف ينصر مظلومًا وهو لا يميز بين غضبه للحق وغضبه لنفسه؟ وكيف يدعو إلى الله وهو لم يفتش في داخله عن شهوة الغلبة التي قد تفسد الدعوة من حيث يظن صاحبها أنه يخدمها؟
وقد يبلغ هذا المعنى درجة الواجب الشرعي متى ترتب على تركه ظلم، أو شهادة زور، أو نصرة باطل، أو خذلان مظلوم، لأن الشريعة تطلب من الإنسان عدله وصدقه وتثبته وخوفه من الله في القول والحكم، والقرآن يرد الإنسان مرارًا إلى التبين والتفكر ومحاسبة القصد، ويضعه أمام مسؤوليته عن السمع والبصر والفؤاد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. فإذا كان الفؤاد مسؤولًا، فكيف يعفى الإنسان من واجب فحص ما استقر فيه؟ وإذا كان السمع والبصر مسؤولين، فكيف يستهين بما يدخل إليهما كل يوم ثم يخرج منهما حكمًا وكلمة وموقفًا؟
وجاء في القرآن أيضًا ما يفتح باب الخلوة من أعمق جهاته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46]. وفي الآية ترتيب دقيق؛ قيام لله، ثم خروج من ضغط الحشد إلى مثنى وفرادى، ثم تفكر. وكأن التفكر يحتاج قبل انطلاقه إلى تحرير القصد، وإلى تخفيف سلطان الجماعة، وإلى مقام صدق يسأل فيه الإنسان نفسه: أطلب وجه الله، أم راحة صورتي، أم انتصار انتمائي، أم سلامة نفسي من كلفة المراجعة؟
بهذا المعنى تصبح الخلوة طريقًا إلى صلابة الصدق. والصدق هنا يتجاوز صدق اللسان، فاللسان قد يقول جملة صحيحة وقلب صاحبها مريض بالغلبة، وقد يدافع المرء عن قضية عادلة بروح ظالمة، وقد يرفع راية الدين وقلبه يطلب التصدر، وقد ينطق باسم الرحمة وهو لا يرحم من خالفه، وقد يتحدث عن العقل وهو عبد لأشد غرائزه خفاء. صلابة الصدق أن يرى الإنسان هذا كله في نفسه قبل أن يراه الناس فيه، وأن يملك شجاعة الاعتراف قبل أن يفضحه الموقف، وأن يراجع نفسه وهو قادر على الاستمرار في الخطأ، وأن يعتذر حين يكون الاعتذار مكلفًا، وأن يرجع إلى الحق حين يكون الرجوع هزيمة في أعين الجمهور ونجاة عند الله.
والخلوة التي لا تكشف هذا القدر من النفس تبقى شكلًا ناقصًا، فقد يعتزل الإنسان الناس ويزداد كبرًا، ويطيل الصمت ويزداد احتقارًا للخلق، ويكثر التأمل ويقل نصيبه من الرحمة، ويهجر المجالس ثم لا يهجر حب الظهور في صورة الزاهد أو العارف أو العاقل. ليست كل عزلة خلوة نافعة، لأن الخلوة النافعة ترد الإنسان إلى ضعفه، وتكشف له عيوبه، وتجعله أرفق بالناس، وأبطأ في الحكم، وأخوف من الظلم، وأشد استعدادًا لنصرة المظلوم حين يعرف وجه الحق.
وهنا يتصل المعنى بالعدل اتصالًا مباشرًا. فالظلم كثيرًا ما يبدأ من نفس لم تختل بذاتها؛ من كلمة سمعتها فأعادتها، ومن صورة رأتها فبنت عليها حكمًا، ومن خصومة دخلتها وفي قلبها رأي سابق، ومن مظلوم لم يحسن عرض قضيته فخذلته، ومن ظالم أتقن ترتيب الكلام فصدقته، ومن جمهور صاخب منح الباطل هيئة الحق. كم من بريء كسر لأن الناس استعجلوا الحكم؟ وكم من مظلوم ضاع لأن صوته كان خافتًا؟ وكم من قضية عادلة خذلت لأن أصحابها لم يملكوا فن العرض؟ وكم من باطل انتصر لأن أهله أحسنوا صناعة الضجيج؟ وهل تكفي الأعذار عند الله حين يكون في الطرف الآخر قلب موجوع، وسمعة ممزقة، وحق ضائع؟
لهذا لا يصح أن ننظر إلى الخلوة بوصفها رفاهية نفسية في زمن الضجيج، فهي في كثير من المواضع ضرورة أخلاقية، لأن الإنسان الذي لا يراجع دوافعه قبل الكلام قد يجعل الكلمة سلاحًا، والذي لا يفحص خوفه قبل الحكم قد يبيع العدل للسلامة، والذي لا يفتش في حظ نفسه قبل نصرة قضية قد يستعمل المظلوم وسيلة إلى صورته، والذي لا يأخذ مسافة من الجماعة قد يصبح جزءًا من ظلمها وهو يظن أنه يحتمي بها.
والحياة المعاصرة تجعل هذا الواجب أشد إلحاحًا، لأن الانتباه صار ميدانًا من ميادين العبودية والحرية. من ملك انتباهك اقترب من ملك أسئلتك، ومن ملك أسئلتك اقترب من ملك أحكامك، ومن اقترب من أحكامك صار شريكًا في تشكيل حياتك. ولهذا صار الإنسان يتصور نفسه حرًا وهو يسلم أثمن ما فيه لمن يعرف كيف يجذبه ويثيره ويخيفه ويقارنه بغيره، ثم يتركه في آخر اليوم منهكًا، قاسيًا، غريبًا عن قلبه. فما الذي يبقى من الإنسان حين يتوزع انتباهه بين ألف نداء؟ وما الذي يبقى من رحمته حين تقسو نفسه كل يوم من كثرة ما ترى وتسمع ثم لا تتوقف لتفهم؟ وما الذي يبقى من صلته بالله حين يبدأ يومه بما يقوله الناس وينهيه بما يقوله الناس؟
ولا تحتاج الخلوة إلى مقدمات كبرى. قد تبدأ من مشي بلا ضجيج في الأذن، ومن هاتف يبتعد دقائق، ومن رد يؤخر حتى يهدأ الغضب، ومن سؤال بعد كل خصومة: أين حظ نفسي هنا؟ ومن سؤال بعد كل انحياز: هل وقفت مع المظلوم لأنه مظلوم، أم لأن ظالمه خصمي؟ ومن سؤال بعد كل موقف: لو لم يرني أحد، ولو لم يمدحني أحد، ولو لم أخف من أحد، هل كنت سأختار الموقف نفسه؟
هذه الأسئلة حين تتكرر تصنع يقظة، واليقظة تصنع تمييزًا، والتمييز يصنع عدلًا، والعدل يرد الإنسان إلى مقامه الصحيح؛ عبد لله، مسؤول عن قلبه ولسانه ويده، لا يبيع حكمه لصوت مرتفع، ولا يجعل سلامته الشخصية فوق نجدة مظلوم، ولا يجعل انتماءه ميزان الحق. ومن هنا نفهم أن الخلوة الحقيقية لا تبعد الإنسان عن الناس، وإنما تعيده إليهم بعد أن يخفف من داخله ما كان سيؤذيهم؛ غضبه غير المفحوص، وخوفه الموروث، وحاجته إلى التصفيق، وشهوته إلى الغلبة، وقسوته التي تتستر باسم الحق.
فما أحوجنا إلى إنسان يملك هذه الخلوة؛ تمر عليه الموجات فلا تحمله كلها، وتعرض عليه الخصومات فلا تسلبه عدله، ويعلو حوله الصراخ فيحفظ حق الضعيف الذي لا صوت له، ويقدر أن يقول للجماعة التي يحبها: أخطأتم، ويقدر أن يقول للخصم الذي يكرهه: أصبت في هذا الموضع، ويقدر أن يرجع إذا تبين له الدليل، وأن يعتذر إذا ظلم، وأن يسكت إذا كان الكلام زيادة في الباطل، وأن يتكلم إذا صار الصمت خذلانًا للحق.
هذه هي الخلوة في معناها العميق؛ عزلة ذهنية يسترد بها الإنسان نفسه من كل ما يريد أن يستعملها بغير إذن، فيرد عقله إلى الدليل، وقلبه إلى الرحمة، ولسانه إلى الأمانة، وخوفه إلى الله، وموقفه إلى العدل، ثم يخرج إلى الناس وقد صارت وحدته طريقًا إلى صدق أصلب، وعدل أرحم، وحضور أصفى.
اللهم ارزقنا خلوة تردنا إليك، وبصيرة تكشف لنا حظوظ نفوسنا، وعدلًا يمنع ألسنتنا من ظلم عبادك، ورحمة تجعلنا نرى الموجوع قبل أن نرى صورته في كلام خصمه، وشجاعة تقيمنا مع الحق إذا خاف الناس، وحياءً يردنا عن الكلام إذا غاب عنا الدليل، إنك أنت الهادي إلى سواء السبيل.
التعليقات